ام تترك اولادها حكايات صافي هاني

​يا قبطان، بنتك بقالها شهور بتيجي المدرسة جارة في إيدها مصطفى، توصله حضانته الأول وبعدين تدخل فصلها. عمرها ما اشتكت ولا طلبت حاجة، كانت دايماً تقول “ماما مشغولة في البيت”.

​الأستاذ ورّاه حاجات قطعت قلبه حتت؛ إنذارات وتقارير غياب مش ممضية، ومصاريف متأخرة، وورقة صغيرة فريدة كاتبة فيها للمدرسين: “أبوس إيديكم متقولوش لبابا، بابا بيحمي الناس في الجيش ومينفعش يشيل همنا”.

​خرج جلال من المدرسة وهو ضاغط على سنانه من الغل، وحلف بالله إن ولاده مش هيجوعوا ولا هيخافوا تاني أبدًا طول ما فيه نفس.

​لكن الصدمة لما رجع البيت، لقى جواب أصفر من البنك محشور تحت الباب باسمه.. وبفتحه لقى إنذار بطرد وطرد من الشقة بسبب ديون وقروض هو ممضاش عليها ولا يعرف عنها حاجة.

​والكابوس الحقيقي كان لسه بيبدأ.

​هتعمل إيه لو رجعت بيتك ولقيت ولادك عاشوا أيام سودة لوحدهم، بسبب أكتر إنسانة كان المفروض تحميهم وتتقي ربنا فيهم؟”

 

فتحت الجواب الأصفر وإيدي بتترعش، الديون واصلة لأرقام خيالية.. قروض باسمي بضمان الشقة، وتوكيل عام كنت عاملهولها بحسن نية قبل ما أسافر عشان تخلص بيه أوراق البيت والمدرسة، استخدمته عشان تبيع كل حاجة وتهرب. سابت العيال لحم حاف، وسابتلي بيتي اللي شقيت فيه عمري كله مهدد بالضياع في أي لحظة.

​بصيت لفريدة ومصطفى اللي كانوا قاعدين على الكنبة بياكلوا لقمة البيض بنهم كأنهم مشافوش أكل من سنين، وبصيت لـ “رعد” اللي قاعد تحت رجليهم وعينيه عليا، كأنه بيقولي: “أنا عملت اللي عليا وحميتهم.. الدور عليك يا قبطان”.

​بلعت ريقي المر، ونزلت على ركبي قدامهم، وأخدتهم في حضني لأول مرة من سنتين. دموعي نزلت غصب عني، بس مسحتها بسرعة وقلت بصوت قوي مرتعش:

​اسمعوا يا ولاد.. بابا رجع، ومفيش مخلوق في الدنيا يقدر يمس شعرة منكم تاني. ربكم كبير ومبيسبش حد، وطول ما أنا عايش على وش الأرض، مش هخليكم تحتاجوا لمخلوق.

​نزلت فوري على المحامي، وشرحت له الكارثة. الراجل بيبص في الورق وقالي:

​القضية صعبة يا سيادة القبطان، المدام باعت وتنازلت بالتوكيل الرسمي، والبنك مبيعرِفش عواطف، لو مدفعناش المتأخرات خلال شهر، الشقة دي هتتباع في المزاد العلني وهتلاقوا نفسكم في الشارع.

​خرجت من مكتب المحامي والدنيا ضلمة في عيني، بس ايماني بالله كان أقوى من أي محنة. بدأت رحلة كفاح تانية، مش في جبهة القتال ضد الأعداء، لا.. دي كانت معركة عشان أنقذ ولادي. قدمت على إجازة مفتوحة من الشغل، وبعت عربيتي القديمة، واستلفت من زمايلي الحبايب في الجيش اللي متأخروش عني، وسددت جزء من ديون البنك عشان أوقف قرار الطرد مؤقتاً.

​وفي نفس الوقت، بدأت أدور على مكانها.. مش عشان أرجعها، الست اللي تهون عليها ضناها وتخون الأمانة متلزمناش وميدخلش بيتي دنسها تاني، لكن عشان أرفع عليها قضية زنا وإهمال في رعاية أطفال وسرقة، وأخلي القانون والشرع ياخدوا حق العيال دي منها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *