بعد الصبر جبر حكايات صافي هاني

​على الساعة ستة، العمال بدؤوا يوصلوا. كانوا داخلين وقلقانين، عينيهم في الأرض، خايفين من اللي جاي بعد ما سمعوا باللي حصل في المحكمة. وقفت وسط الصالة وجمعتهم كلهم حواليا؛ الشيفات، عمال النظافة، والويترية.

​بصيت في وشوشهم الشقيانة وقولت بصوت عالي وواضح: “يا جماعة، اسمعوني كويس. فكتور مش راجع هنا تاني، والمطعم ده من النهارده بقا بتاعي وبتاعكم. مفيش خصومات من غير سبب، مفيش شغل تمنتاشر ساعة في اليوم، ومفيش حد هيهين كرامتكم. من النهارده، اللي هيشيل صندوق، هيشيله وهو واخد حقه تالت ومتلت، وأي حد هيتعب، هيلاقي اللي بيقدر تعبه.”

​الوشوش المخطوفة بدأت تنور، والشيف الكبير ابتسم ورفع إيده وقال: “ربنا ينصرك يا ست إيفيلين، طول عمرك صاحبة مكان ووشك خير علينا.”

​سيبتهم يدخلوا المطبخ بهمة ونشاط وعمرى ما شفتهم بالسرعة دي قبل كده، ودخلت أنا على المكتب الكبير.. مكتب فكتور.

​قعدت على الكرسي الجلد المريح اللي كان بيقعد عليه وهو بيتمنظر. فتحت الدرج، طلعت صوره والشهادات “العصامية” المزيفة بتاعته، ورميتها كلها في باسكت الزبالة من غير تردد. وفي نص اليوم، لقيت الموبايل بتاعي بيرن.

​كان رقم محامي فكتور.

​رديت بكل برود: “أيوة يا أستاذ.”

​جالي صوته متوتر ومكسور: “مدام إيفيلين.. أستاذ فكتور بيمر بظروف صعبة جداً، النيابة استدعته والتحفظ شمل كل حاجة حتى شقته.. هو بيترجاكي، لو بس توافقي تتنازلي عن الشق الجنائي بتاع التزوير وإصابة العمل، ومستعد يوقع على أي إقرار.”

​سكت ثانية واحدة، وبصيت على دراعي ومنظر الحرق اللي ساب أثره في حياتي، وقولتله: “قول لفكتور.. الحمارة مبقتش بتشيل حاجة فوق طاقتها، والندوب اللي في جسمي مبتروحش بكلمة ‘ترجي’. القانون يا أستاذ هياخد مجراه لحد الآخر.”

​قفلت السكة في وشه، وسندت ضهري على الكرسي وبصيت من الشباك على زباين المطعم وهم داخلين ومبسوطين.

​عشرين سنة ضاعوا في الضلمة، بس النهاردة، الشمس طلعت، ونورت كل ركن في حياتي الجديدة.

عدى شهرين على اليوم ده، والمطعم حاله اتقلب ١٨٠ درجة. الزباين بقت تيجي أكتر عشان روح المكان بقت حلوة، والعمال بقوا يشتغلوا بحب وأمانة لأنهم عارفين إن تعبهم متقدر. المطعم مابقاش مجرد مكان أكل، ده بقى “مطعم إيفيلين”، الاسم الجديد اللي نور على اليافطة بره باللون الدهبي.

​في ليلة من الليالي، بعد ما الزباين مشيت والمطعم قفل، كنت قاعدة في المكتب براجع الحسابات وأنا بشرب فنجان قهوة ومبسوطة باللي حققته. فجأة، الجرس بتاع الباب الوراني رن.

​المطعم كان فاضي ومفيش غير الشيف الكبير وواحد من عمال النظافة بيشطبوا المطبخ. طلعت أشوف مين، وأول ما فتحت الباب، رجلي ثبتت في الأرض من الصدمة.

​كان فكتور.

​بس مكنش فكتور بتاع زمان بالبدلة الغالية والمنظرة والكرش اللي بناه من شقايا. كان واقف دقنه طويلة وشعره منكوش، ولابس قميص قديم متبهدل، وعينيه دبلانة ومكسورة. النيابة كانت حجزت على كل أملاكه، ومبقاش حيلته مليم، وحتى صحابه اللي كان بيصرف عليهم اتهربوا منه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *