بعد الصبر جبر حكايات صافي هاني

​فكتور حس إن الأرض بتلف بيه. بص وراه عشان يستنجد بماريان، لقاها سحبت شنطتها وبتتسحب من باب القاعة من سكات، حتى مابصتلوش بصلة وداع واحدة. فستانها الأحمر بقى زي نقطة دم هربانة من مسرح الج*ريمة.

​بصيتله وأنا حاطة إيد على إيد، وقولتله بنبرة واطية مفيش فيها غير البرود: “شفت يا فكتور؟ الحمارة شالت الصناديق السنين دي كلها عشان تبني المكان، بس النهاردة الصناديق وقعت فوق دماغك أنت.”

​فكتور حط راسه بين إيديه وهو بيموت في جلده، والغرور اللي عاش بيه عشرين سنة اتمسح في لحظة.

​القاضي خبط بالشاكوش خبطة أخيرة هزت القاعة وقال: “حكمت المحكمة…”

​وفي اللحظة دي، عرفت إن الندوب اللي في جسمي مابقتش علامات وجع.. دي بقت أوسمة النصر بتاعي.

نطق القاضي بالحكم اللي رجّع الحق لأصحابه؛ حكم بالتحفظ على كل أموال فكتور، ونقل ملكية السجل التجاري ورخصة المطعم بالكامل باسمي، مع إحالة شق التزوير والتهرب الضريبي للنيابة العامة عشان تاخد مجراها الجنائي.

​صوت الشاكوش وهو بيرزع على المنصة كان أحلى مزيكا سمعتها في حياتي.

​فكتور انهار على الكرسي، وشه بقى أبيض زي الملّاحات، ومحاميه لّم وراقه في الشنطة وبص له بقلة حيلة وسابه ومشي. فكتور مابقاش فاضل له أي حاجة، ولا حتى ماريان اللي فص ملح وداب. الغرور والنفوذ والبدلة الغالية.. كل ده اتبخر، ومفضلش غير راجل مكسور، عريان قدام حقيقته.

​قومت وقفت بكل ثقة، وزررت الجاكيت الرمادي بتاعي تاني فوق الندوب اللي أنقذت حياتي.

​جورجيت محاميتي لمت الدوسيه الأزرق وبصتلي وهي بتبتسم وقالت: “مبروك يا ست الكل، المطعم بقا ملكك قانوناً وفعلًا من الصبح.”

​وأنا خارجة من باب القاعة، عديت من جنب فكتور. مابصتلوش بنظرة تشفي ولا شماتة، هو أصلاً مابقاش شايفني من كتر الصدمة.

​طلعت برة المحكمة، وشمس الضهر ضربت في وشي. خدت نفس طويل وعميق، لأول مرة من عشرين سنة أحس إن الهوا نضيف وبيجبر الخاطر. ركبت عربيتي وطلعت علطول على المطبخ الكبير.. مطعمي أنا.

​فتحت الباب بالمفتاح بتاعي، ووقفت في وسط الصالة الفاضية. بصيت على العجانة الصناعية، وعلى الفرن اللي صهده علم على جلدي، وابتسمت. من بكرة، المكان ده هيتغير، والعمال هيشتغلوا بكرامتهم، ومفيش حد شقيان هيتظلم تاني.

​الحمارة اللي شالت الحمل السنين دي كلها، نزلت الحِمل وخرجت من المعركة.. صاحبة ملك.

 

تاني يوم الصبح، صحيت الساعة أربعة ونص الفجر، نفس الميعاد اللي صحيت فيه بقالي عشرين سنة. بس المرة دي، مكنش فيه على قلبي الهم التقيل بتاع كل يوم، ومكنش فيه حد نايم جمبي بيشخر وهو مستني ومطمن إن الشقا هينزل في حسابه.

​لبست فستان شيك، وجمعت شعري لفوق، ومابقتش محتاجة أداري أي حاجة.

​وصلت المطعم قبل العمال ما ييجوا. وقفت قدام الباب اللي ياما فتحته وإيديا بتترعش من البرد أو من التعب. طلعت المفاتيح وفتحت، بس المرة دي دخلت وأنا ضهري مفرود.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *