بعد الصبر جبر حكايات صافي هاني

​بصلي وهو بيترعش من البرد وقال بصوت يادوب مسموع: “إيفيلين.. أرجوكي اسمعيني.”

​وقفت مكاني، ساندة على الباب وبصيتله ببرود تام وقولت: “عايز إيه يا فكتور؟ وأنت إزاي تجرؤ تيجي هنا أصلاً؟”

​دموعه نزلت وقال: “أنا ضعت يا إيفيلين.. ماريان سابتني وأخدت العربية اللي كانت باسمها، والشقة اتقفلت بالشمع الأحمر، وأنا عايش بالإيجار في أوضة متبهدلة. النيابة متبهدلاني في قضايا النصب والضرائب، والمحامي بتاعي سابني لما عرف إني مجمعيش أتعابه.. أنا بتموت يا إيفيلين، سامحيني، أنا عارف إني ظلمتك، بس بلاش تدمريني أكتر من كدة.”

​بصيت لوشه المكسور، وافتكرت العشرين سنة اللي عشتهم معاه في ذل وإهانة. افتكرت لما كنت بطلب منه يريحني يوم، وكان بيضحك ويقولي “أنتِ صحتك زي البمب، كملي شغل”. افتكرت ليلة الحرق وليلة العجانة وهو سايبني أنزف عشان خايف على سمعة المطعم.

​رفعت كم البلوزة بتاعتي ببطء، ووريتله الحرق القديم اللي في دراعي وقولتله: “شايف دي؟ دي مش هتروح يا فكتور. والكسرة اللي كسرتها لنفسي وعمري اللي ضاع مش هيرجعوا. أنت مفيش حد دمرك.. أنت ذنب الشقا والتعب والدموع اللي نزلت مني هو اللي دمرك. ربنا خالص الحقوق يا فكتور، واليوم اللي أنت فيه ده، أنا ياما عشت أوحش منه وأنا على ذمتك.”

​حاول يقرب ويمسك إيدي وهو بيبكي: “طب شغليني هنا.. أي حاجة، لو حتى هكنس وأمسح الصالة، بس ألاقي لقمة آكلها.”

​ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس كانت حامية زي الصهد اللي عشت فيه، وقولتله بنفس الكلمة اللي قالهالي في المحكمة: “يا فكتور.. خلينا صرحا، أنت متبنيش مطاعم، ولا بتعرف تشيل صناديق.. المطعم ده للشقيانين وبس، وأنت عمرك ما كنت شقيان.. أنت كنت عايش على قفا غيرك.”

​شفت في عينيه الندم الحقيقي لأول مرة في حياته، بس ندم بعد فوات الأوان.

​هزيت راسي وقولتله: “المطعم قفل يا فكتور.. ومع السلامة.”

​قفلت الباب الوراني في وشه، ورجعت الترباس المربع مكانه. لفيت ضهري ودخلت الصالة المنورة، وأنا حاسة بنضافة من جوايا مكنتش عشتها قبل كدة.

​الحكاية قفلت صفحتها القديمة بالكامل، وبدأت حياتي أنا.. إيفيلين، الملكة الحقيقية للمكان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *