قطعت عنه المعونه حكايات صافي هاني

​نزلت فنجان القهوة من إيدي وبصيت من الشباك الإزاز، وقلت لها: “لأ، دخليه.. بس سيبيلنا الباب موارب.”

​دخل بيتر، بس مكانش بيتر بتاع زمان.. البدلة الكحلي الغالية كانت مكرمشة، وعينيه كان تحتها هالات سودا، والغرور اللي كان مالي وشه على سلم المحكمة اتبخر تماما.

​قعد على الكرسي من غير ما يستأذن، وحط إيده على راسو وقال بصوت مخنوق: “كلارا.. أرجوكي، إحنا لازم نتكلم.”

​بصيتله ببرود ومردتش، فكمل كلامه بسرعة وكأنه خايف أقاطعه: “الشركة بتقع.. البنوك رفضت تجدد القروض لما عرفوا إنك سحبتي ضمانتك المالية، والشيكات بدأت ترتد.. وأمي مش متبطلة عياط وماري طردوها من السكن في كاليفورنيا وراجعة في أول طيارة.. أنتي كده بتدمريني بجد!”

​سندت ضهري على الكرسي، وشبكت صوابعي وقلتله بكل هدوء: “أنا مابدمّركش يا بيتر.. أنا بس سيبتك تعتمد على نفسك.. مش ده اللي كنت بتسميه ‘شغلك ومجهودك’؟ وريني بقى مجهودك هيعمل إيه.”

​قام وقف وعينيه مليانة غل على عجز: “أنتي كنتِ بتخططي لده من زمان! كنتِ عارفة إن السند ده لما يتشال هقع.”

​قمت وقفت أنا كمان، وقربت منه وقلتله بلهجة حاسمة: “أنا شيلتك خمس سنين على كتافي، وكنت مستعدة أشيلك العمر كله لو كنت صنت العشرة.. بس أنت افتكرت كرمي معاك مغفلة، وافتكرت سكوتي ضعف.. الفلوس اللي كنت بتفشخر بيها قدام الناس دي فلوس ‘كلارا هانم’.. ودلوقتي، كل واحد يرجع لحجمه الطبيعي.”

​بصلي وهو مش قادر ينطق، وعرف إن مفيش مفر.

​شاورتله على الباب وقلتله: “المقابلة انتهت يا بيتر.. وعندي اجتماع مهم.. اتفضل وريني هتحل مشاكلك ‘العصامية’ دي إزاي.”

​لف وضهره وخرج وهو بيجر رجليه، وأنا رجعت قعدت، أخدت بؤ من القهوة، وبصيت لشغل الشركات الجديد اللي قدامي.. وأنا عارفة إن اللي جاي في حياتي هيكون أحسن بكتير، وأن صفحته اتقفلت للأبد.

عدى شهرين، وفي يوم وأنا بتابع أخبار السوق والبورصة، لقيت اسم شركة بيتر نازل في النشرات الإخبارية للاقتصاد.. الشركة أعلنت إفلاسها رسميًا، والمعارض بتاعته اتقفلت بالشمع الأحمر بسبب الديون المتلتلة.

​تليفوني رن، وكان الرقم غريب، بس رديت.

​”كلارا.. أرجوكي ما تقفليش.”

​كان صوت حماتي السابقة، طنط ميرفت. صوتهما كان مكسور تماماً ومش باين منه أي أثر للمعايرة أو الفشخرة الكدابة اللي كانت بتعملها معايا زمان.

​قلت لها بهدوء: “أهلاً يا طنط.. خير؟”

​بدأت تعيط وقالت: “بيتر هيتحبس يا كلارا.. الشيكات اللي عليه ملهاش رصيد، وماري أخته قاعدة في البيت ليل نهار بتصرخ ومش مستوعبة إننا مابصيناش نملك حاجة.. إحنا بنتبهدل، وأنتي الوحيدة اللي تقدري تنقذينا.. لو مش عشان بيتر، عشان الخمس سنين اللي عشتيها معانا.”

​أخدت نفس طويل وقلت لها بوضوح: “يا طنط ميرفت، الخمس سنين دول أنا كنت بدفع تمنهم غالي من كرامتي وأعصابي وفلوسي، وأظن إنكم أخدتوا تمنهم وزيادة.. بيتر هو اللي اختار ينهي كل حاجة بالطريقة دي وهو فاكر إنه كسبان.. أنا مش جمعية خيرية، ومش مسؤولة أصلح غلطات راجل مش عارف يدير حياته.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *