اهانة جوز امي حكايات صافي هاني

​دموعه كادت تنزل من الفرحة وقال: “يعني مش هتقفي في طريقي يا مريم عشان اللي فات؟”

​رديت عليه وأنا بقوم: “أنا مبعملش كده يا أستاذ مدحت، الإسلام والأصول علمونا إننا نرد الإساءة بالإحسان، ومكاني هنا أمانة لخدمة البلد مش لتصفية حسابات قديمة. سيب رقم الصادر بتاع الملف مع السكرتيرة، ولو قانوني، هيخلص في ميعاده.”

​مشيت وسيته واقف، باصص ورايا بنظرة ذهول حقيقية. مكنش مذهول بس من نفوذي، كان مذهول من أخلاقي ومن التربية اللي هو مكنش شايفها فيا.

​الملف بتاعه اتراجع، ولما لقيناه مستوفي الشروط ومفهوش أي مخالفة، مضيت عليه وطلع في مساره الطبيعي وخلصت إجراءاته.

​من يومها، مدحت اتغير تماماً، مش بس معايا، ده اتغير مع أمي ومع كل الناس، وبقى دايماً يقول في قعدات العيلة: “المنصب الحقيقي مش فلوس.. المنصب هو بأخلاقك وقيمتك في مجتمعك.”

​وأنا؟ أنا كملت طريقي، كل يوم بكبر وبثبت رجلي أكتر، وعرفت إن أكبر انتقام من اللي قللوا منك، مش إنك تأذيهم.. الانتقام الحقيقي هو إنك تنجح وتكبر لدرجة إنهم يحتاجوا عطفك وأخلاقك عشان يعدوا!

مرت سنتين كاملين على الموضوع ده، وبقت ذكريات ليلة عيد الميلاد دي مجرد درس بعيد اتعلم منه الكل. في السنتين دول، الشغل أخد كل وقتي، واترقيت وبقيت بمسك ملفات أكتر حساسية وأهمية في اللجنة العليا للأمن القومي.

​وفي يوم جمعة، وأنا قاعدة في البيت بـ لَبْس الصلاة وبقرأ سورة الكهف، لقيت أمي بتتصل بيا وصوتها بيرتعش وفيها العبرة: “مريم.. مدحت تعب فجأة ونقلناه المستشفى، في العناية المركزة.. الدكاترة بيقولوا جلطة في القلب.”

​نزلت فوراً ورحت المستشفى اللي في مصر الجديدة. دخلت لقيت العيلة كلها واقفة بره، نادين بتبكي، وأمي منهارة. أول ما أمي شافتني، جرت عليا وحضنتني وهي بتقول: “الحمد لله إنك جيتي يا بنتي.. الراجل وهو داخل غايب عن الوعي مكنش بينطق غير اسمك، بيقول عاوز مريم تسامحني.”

​الدكتور خرج وطمنا إنهم لحقوه في آخر لحظة وركبوا دعامتين، وإن حالته استقرت بس محتاج راحة تامة. بعد كام ساعة، سمحوا لنا بالزيارة لفرد واحد بس. أمي بصتلي وقالتلي: “ادخلي له إنتي الأول يا مريم.. عشان خاطري وخاطر ربنا، ريحي قلبه.”

​دخلت الأوضة بالراحة، كان السكون مالي المكان وصوت الأجهزة شغال. مدحت كان نايم، وشه شاحب، وباين عليه الكبر والمرض بشكل يصعب على الكافر. أول ما فتح عينيه وشافني، حاول يتحرك بس شاورت له بهدوء: “خليك مستريح يا أستاذ مدحت.. حمد الله على سلامتك. قدر ولطف.”

​شفايفه اتهزت ودموعه نزلت على مخده المستشفى، وقال بصوت ضعيف جداً ومليان ندم: “سامحيني يا مريم.. أنا طول السنين اللي فاتت كنت أعمى بالفلوس والغرور، ربنا حطني في الموقف ده عشان يوريني إني ضعيف جداً، وإني في لحظة ممكن أروح وميسواش معايا كل اللي جمعته.. أنا ظلمتك كتير وقللت منك، وإنتي اللي وقفتي جنبي وجنب بيتي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *