اهانة جوز امي حكايات صافي هاني

مدحت الدم هرب من وشه وبقى زي الأموات.
ولأول مرة من يوم ما عرفته في حياتي، ملقاش كلمة واحدة يرد بيها.
قعد مدحت مكانه بالراحة وهو مش قادر يرفع عينه في عين حد، إيده كانت بترتعش وهو بيمدلي الموبايل من غير ولا كلمة. أخدت منه التليفون وخرجت بره الصالة بسرعة وأنا بحاول أجمع ثباتي الانفعالي.
”أيوة يا فندم، أنا مع حضرتك، بعتذر جداً على اللي حصل.” قلتها وصوتي بيترعش من الكسوف.
صوت الوزير رجع لهدوءه القاتل وصيغته الرسمية: “ولا يهمك يا مريم، مش وقت كلام في الموضوع ده دلوقتي. التعديل الخاص بملحق الأمن القومي لازم يتراجع فوراً، اللجنة هتجتمع الصبح الساعة تمانية في العاصمة الإدارية، وعاوز مسودة الرد جاهزة على مكتبي الساعة سبعة. تقدري تتحركي؟”
”جاهزة طبعاً يا فندم، نص ساعة وأكون في المكتب.”
قفلت السكة، وأخدت نفس عميق. دخلت الصالة تاني عشان ألم حاجتي. الجو جوه كان زي المآتم، مفيش صوت غير طقطقة الشوك والسكاكين. مدحت كان باصص في طبقه ووشه جايب ألوان، وأمي بتبصلي وعينيها كلها أسئلة وعلامات استفهام، وأختي نادين قاعدة حاطة إيدها على بقها من الصدمة.
مدحت اللي كان صوته بيهز البيت، وصاحب النفوذ والفلوس اللي شايف كل الناس أقل منه، ب كلمة واحدة من شخص يعرف قيمة شغلي، اتكشفت حقيقته وبقى زي العيل الصغير اللي اتمسك بيسرق.
وقفت عند رأس الترابيزة وقلت بوضوح وثقة لأول مرة في حياتي قدامهم: “أنا مضطرة أمشي عشان عندي اجتماع عاجل في مجلس الوزراء. كل سنة وإنتي طيبة يا أمي، وباقي الحساب مدفوع.”
بصيت لمدحت نظرة أخيرة، ونزلت سبتهم في صمتهم، وأنا في طريقي للعاصمة عشان أعمل الشغل اللي مدحت كان فاكره مجرد “رد على إيميلات”.
وصلت مكتب الوزير في العاصمة الإدارية، وكانت الساعة داخلة على واحدة بالليل. المبنى كله كان هادي، بس الدور بتاعنا كان خليه نحل؛ أنوار قايدة، وورق مفرود في كل حتة، والتوتر مالي المكان.
دخلت مكتبي، قلعت الجاكيت، وشمرت كمامي وبدأت شغل فوراً. قعدت أراجع بنود التعديل كلمة كلمة، وأقارنها بتقارير الأمن القومي اللي واصلة لنا. الوقت كان بيجري زي الثواني، وكل ما عيني تروح على الموبايل، ألاقي رسايل واصلة لي من أمي:
“مريم ردي عليا”، “مريم إنتي فين؟”، “جوزك أمك ضغطه عليّ وتعبان من وقت ما مشيتي”.
مسحت الرسايل ومردتش. مكنش عندي وقت لدراما عائلية تافهة، البلد حرفياً كان وراها قرار مصيري الصبح.
على الساعة ستة الصبح، كنت خلصت صياغة المسودة بالكامل، وطبعت التقارير وحطيتها في ملف أنيق. الساعة سبعة بالدقيقة، كنت واقفة قدام مكتب الوزير صلاح المنياوي.
خبطت ودخلت. كان قاعد ورا مكتبه، باين عليه الإرهاق بس عينيه حادة ومركزة. بص للملف اللي في إيدي وبعدين بصلي وقالي: “جاهزة يا مريم؟”
قلتله بثبات: “جاهزة تماماً يا فندم، التعديلات اتصاغت بما يضمن كامل صلاحياتنا، ومفيش ثغرة واحدة تفوت عليهم”.


