ابويا حسبها غلط حكايات صافي هاني

​الوضوح كان صاعق. الاستثمار اللي أبويا راهن عليه بكل فلوسه وباعني علشانه.. انهار بالكامل.

​أبويا اتمرمغ في دموعه وقام من مكانه، وكان جاي يوطي على إيدي، فمسكته بسرعة ومنعته: “استغفر الله العظيم يا بابا! متعملش كده، اذكر الله.”

منى رفعت رأسها وقالت وهي بتموت من الكسوف: “الحقينا يا ياسمين.. أبوكي هيروح في الرجلين. أنا آسفة.. آسفة على كل يوم كنت بتباهى فيه عليكي وأنا عارفة إنك مظلومة.”

​قعدت على الكرسي بتاعي، وبصيت للسقف.. وافتكرت ليلة العيد الصغير وأنا باكل أندومي لوحدي وهما منزلين صورة السفرة. وافتكرت طردتي من الصالون. كان ممكن في اللحظة دي أتحول وأنتقم، وأقولهم “ذوقوا من نفس الكأس”. بس الإسلام وديننا علمنا إن العقوق مبيتردش بعقوق، وإن الأهل -مهما قسيوا- ليهم حق البر، والشهامة مابتتجزأش.

​سحبت دفتر الشيكات بتاعي من الدرج، وكتبت رقم المبلغ اللي عليه كله وزيادة.

​قطعت الشيك وقدمته لأبويا وقلتله: “ده شيك بالمبلغ كله.. تسدد الديون وترفع القواضي، ومحدش هلمس شعرة منك.”

أبويا مسك الشيك وهو مش مصدق، وبقى يبوس الشيك ويبصلي ودموعه مغرقة وشه: “سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك.. أنا رميت الدهب في التراب وجريت ورا السراب! أنتِ اللي كنتِ الاستثمار الحقيقي.”

​ابتسمت ابتسامة هادية وقلتله: “أنا مسمحاكم من زمان يا بابا.. بس الشيك ده لله، ولأجل صلة الرحم اللي ربنا أمرنا بيها، مش عشان أثبتلك إني كنت صح. الفلوس دي فلوس شغلي وحلالي، وربنا هو اللي استثمر فيا لما أنتوا سبتوني.”

​وقفت وفتحت الباب: “تقدروا تروحوا تلحقوا الإجراءات.. وحمد الله على سلامة منى، ربنا يعوضها بالأحسن.”

​خرجوا من المكتب وهما بيدعولي في كل خطوة، وأبويا ضهره اتفرد شوية بعد ما انزاح من عليه هم السجن. قفلت الباب وقعدت ورا مكتبي، وبصيت للسماء وقلت: “لك الحمد والشكر يا رب.. أكرمتني وخليت إيدي هي العليا.. وعوضتني عن كل كسرة خاطر بـ مقام مكنتش أحلم بيه.”

مرت الأيام والشهور، وبقيت مركزة في طريقي وبس. الديون اتسددت، والموضوع عدا، ورجعت لحياتي الهادية بين مدرجات الجامعة ومكتبي في الشركة. علاقتي بأهلي بقيت قايمة على “البر” بحدوده الشرعية؛ بسأل عليهم، ببعت ليهم اللي يحتاجوه، بس في مسافة أمان واضحة.. مسافة بتحمي قلبي من إنه يتكسر تاني.

​في يوم، جالي مكتب رئيس مجلس إدارة الشركة، ولقيت معاه دكتور رأفت بيل، أستاذي القديم اللي كان صاحب الفضل عليا بعد ربنا.

دكتور رأفت ابتسم أول ما شافني وقال: “يا ياسمين، أنا فخور بيكي كل يوم أكتر من اللي قبله. الشركة هنا بتكبر، والجامعة كمان محتاجة كفاءتك. بس النهاردة أنا جاي بصفتي رئيس لجنة صندوق ‘هاوثورن’ في الشرق الأوسط.”

​بصيت له باهتمام، فكمل وهو بيسلمني ملف شيك جداً: “المنحة قررت تفتح فرع إقليمي دائم هنا في مصر، عشان تدعم الطلبة المتفوقين اللي بيمروا بظروف صعبة ومش قادره أهاليهم يتكفلوا بيهم. واحنا مش ملاقيين حد يمسك إدارة الصندوق ده ويكون رئيس لجنة الاختيار غيرك.. أنتِ أكتر واحدة حاسة بالشباب دول، وعارفة يعني إيه طالب بيعافر لوحده في الدنيا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *