ابويا حسبها غلط حكايات صافي هاني

في اللحظة دي، حسيت بقشعريرة في جسمي كله. دموعي نزلت من الفرحة.. ربنا مش بس عوضني، ده كمان بيستخدمني عشان أكون سبب في جبر خواطر ناس تانية عاشوا نفس وجعي. وافقت طبعاً ومن كل قلبي.
أول يوم بدأت فيه شغل في الصندوق، كنت قاعدة ورا مكتب اللجنة، وقدامي ملفات مئات الطلبة. فتحت أول ملف، وبدأت أقرأ قصص لشباب وبنات، أهاليهم اتخلوا عنهم، أو ظروفهم المادية وقفت ضد أحلامهم.
سحبت القلم الأحمر بتاعي، وبدأت أمضي بالموافقة على المنح، وأنا بفتكر نفسي زمان. كنت بكتب لكل طالب فيهم كلمة تشجيعية تحت إمضائي: “عافر.. أنت استثمار نفسك، وربنا دايماً جمب اللي بيسعى”.
في نهاية اليوم، خرجت من مبنى الصندوق، وكانت الشمس بتغرب والجو جميل. لقيت أبويا واقف مستنيني برا جمب عربيتي، ومعاه كيس أسود صغير.
قربت منه بابتسامة: “أهلاً يا بابا، واقف في الحر ليه؟ كنت اتصلت بيا طلعتك المكتب فوق.”
أبويا بص في الأرض بكسوف، وطلع من الكيس علبة قطيفة قديمة، وفتحها.. كان فيها “غويشة دهب” من بتوع أمي.
قال بصوت حنين مليان رجاء: “يا بنتي.. أنا عارف إن فلوس الدنيا كلها مش هتعوضك عن ليلة واحدة نمتي فيها زعلانة بسببنا. بس الغويشة دي أمك شايلاها من زمان، وقالتلي ادهالي لياسمين.. مش تمن لأي حاجة، بس دي الحاجة الوحيدة اللي حيلتنا دلوقتي ونفسنا تقبليها مننا.. كـ دليل إننا بنحبك، وإننا أسفين بجد.”
بصيت للغويشة القديمة، وبصيت لوش أبويا اللي بان عليه الندم الحقيقي. في اللحظة دي، حسيت إن الحِمل اللي كان على قلبي انزاح تماماً. الوجع القديم داب، وحل محله راحة غريبة.
مديت إيدي وأخدت العلبة منه، وابتسمت من قلبي: “مقبولة يا بابا.. وتسلم إيد أمي. يلا بينا عشان أعزمكم على العشا النهاردة.”
ركبنا العربية مع بعض، وأنا باصة للطريق قدامي، حامدة ربنا وشاكرة فضله. أدركت إن المنع ساعات بيكون هو عين العطاء، وإن لو مكنتش مرت بالظروف دي، مكنتش هبقى “ياسمين” القوية، الناجحة، اللي إيدها هي العليا، واللي قدرت تحمي أهلها وتنقذهم في وقت شدتهم.
القصة مكنتش قصة فلوس وجامعات.. القصة كانت قصة ثقة في الله، ويقين بأن اللي بيتقي ربنا وبيعتمد عليه، بيجعل له من كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب.



