ابويا حسبها غلط حكايات صافي هاني

​الاستاد كله سكت تماماً، لدرجة إن لو إبرة وقعت كانت تسمع. لمحت أمي وشها بقى أحمر وزي اللي هتعيط من الكسوف، وأبويا نزّل عينه في الأرض، مش قادر يحط عينه في عيني قدام الناس.

​كملت وصوتي مفيش فيه أي رعشة:

“النهاردة، أنا مش واقفة هنا عشان أثبت لنفسي حاجة، أنا واقفة عشان أقول لكل طالب وطالبة سهروا وتعبوا وشافوا أيام مفيش فيها تمن المواصلات: ربنا مبيضيعش أجر من أحسن عملاً. الاستثمار الحقيقي مش بفلوس الأهل، الاستثمار الحقيقي هو العناد، والكرامة، والاعتماد على الله ثم النفس. شكرًا لجامعة النيل، وشكرًا لدكتور رأفت بيل اللي آمن بيا لما أقرب الناس ليا اتخلوا عني.”

​نزلت من على المنصة، والاستاد كله قام على رجليه بيصقف بحرارة وصوت الهتاف مكنش بيوقف.

​لما الحفلة خلصت والناس بدأت تتجمع، شفتهم جايين عليا من بعيد. أمي كانت بتقدم الورد الأبيض وإيدها بترتعش، وعينها مليانة دموع ندم وقالت بصوت واطي: “مبروك يا بنتي.. احنا مش مصدقين.”

وأبويا قرب خطوة، كان باين عليه الكبر والعجز في نفس الوقت، وحاول يبتسم ويطبطب على كتفي وهو بيقول: “رفعتي رأسنا يا بنتي.. أنا كنت عارف إنك قدها.”

​بصيت للورد الأبيض، وبصيت لإيده اللي على كتفي، وشلتها بهدوء وابتسامة باردة:

“الله يبارك فيكم.. بس أنا مأخرة شفت الشغل بتاعي في الكافيه، ولازم أمشي. شكرًا على الورد.”

​لفيت ضهري ومشيت وسط زمايلي اللي كانوا بيحتفلوا بيا، وأنا شايلة شهادتي وكرامتي في إيدي.. ومستقبلي اللي بنيته بنفسي، ومحدش ليه جميله عليا فيه غير ربنا.

 

ركبت الميكروباص وأنا باصة من الشباك على طريق المحور، ماسكة شهادتي في حضني كأني ماسكة حتة من روحي. الدموع اللي حبستها أربع سنين نزلت أخيراً، بس مكنتش دموع وجع.. دي كانت دموع النصر، دموع البنت اللي حفرت في الصخر وضوافرها اتجرحت عشان تقف الطوق ده.

​وصلت الكافيه، دخلت من الباب والمدير وزمايلي في الشغل فاجئوني بزينة صغيرة وتورتة مكتوب عليها “مبروك يا دكتورة”. كلهم كانوا عارفين سحلي وتعب السنين دي. لبست المريلة بتاعتي وبدأت أشتغل، بس المرة دي وأنا راسي في السماء، حاسة إن كل زبون بناوله فنجان القهوة بيشوف في عيني لمعة نجاح مش هتنطفي أبداً.

​على الساعة 9 بالليل، تليفوني رن. كان رقم أبويا.

رديت بهدوء: “أيوة يا بابا”.

صوته كان متغير، مكنش فيه النبرة الحادة ولا الأوامر بتاعت زمان، كان صوت حد مكسور بيحاول يلم الباقي من هيبته: “أنتِ فين يا بنتي؟ احنا مستنيينك في البيت.. عملتلك أكل بتحبيه، وعايزين نقعد معاكي ونفرح بيكي بجد”.

​أخدت نفس طويل وقلتله: “شكراً يا بابا، بس أنا مش هقدر آجي. أنا نقلت حاجتي كلها من سكن المغتربات لأوضة تانية قريبة من الشغل الجديد اللي هبدأ فيه الأسبوع الجاي كمعيدة في الجامعة ومحللة اقتصادية في شركة كبيرة”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *