قصه حزينه الجزء الثاني حكايات صافي هاني
جوه المبنى الجديد، كانت نادية بتتحرك زي النحلة، بتشرف على اللمسات الأخيرة لمعرض المشغولات اليدوية اللي الأمهات المعيلات عملوها، وجمبها سيف اللي بقاله شهر مبيفارقش الحارة، بيساعد كريم في كل صغيرة وكبيرة، وشايل معاه الشغل كأنه واحد من أهل المنطقة.
سيف قرب من نادية وفي إيده كشف بأسماء الأسر الجديدة:
”نادية، أنا راجعت الملفات دي مع الشؤون الاجتماعية، وفي حوالي خمسين ست مطلقة وأرملة هنبدأ نصرف لهم معاش شهري من بكره، غير مشغل الخياطة اللي في الدور التاني.”
نادية بصتله بابتسامة صافية، مفيش فيها أي وجع من الماضي:
“تسلم إيدك يا سيف.. بجد من غير وقفتك والمحامين بتوعك مكنتش الإجراءات هتخلص بالسرعة دي. أنت بقيت ذراعنا اليمين هنا.”
سيف ابتسم وندم خفيف ظهر في عينه: “أنا بعمل اللي كان المفروض يتعمل من زمان يا نادية.. أنا برتاح هنا وسطكم أكتر من مكاتب الشركات المكييفة.. هنا بحس إني بني آدم.”
قطع شريط الافتتاح.. الدموع والفرحة
الكل اتجمع في الصالة الكبيرة، وكريم وقف لابس قميص أبيض وبنطلون أسود، ملامحه كانت شبه ملامح حسين الشافعي في عز شبابه وقوته، بس كان فيه طيبة ورضا مشفهمش حسين في حياته.
كريم مسك المايك وبص للحضور، وعينه جات على أمه اللي كانت قاعدة في أول صف، لابسة عباية كحلي شيك وطرحة بيضاء زي الملايكة:
“أنا مش هخطب ولا هقول كلام كبار.. المكان ده معمول لسبب واحد بس.. عشان مفيش ست في الحارة دي أو برة الحارة تتحوج لحد، وعشان مفيش طفل يتلفت حواليه ويحس إنه لوحده في الدنيا.. المكان ده اتعمل بفلوس ربنا رجعها لأصحابها، وبتعب ست شالت شقا الدنيا كله على كتافها ومشتكتش.. أدعو أمي، الحاجة حنان، تتفضل تقص شريط الافتتاح.”
الحارة كلها اتزلزلت بالزغاريط والتصقيف. حنان قامت، رجليها كانت تقيلة من التأثر، دموعها نزلت وهي بتبص لولادها الاتنين.. كريم ونادية.. وسيف واقف وراهم بيبتسم ويسقف بحرارة.
مسكت حنان المقص، وبصت لـ كريم وقالت بصوت واطي: “ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا سيدي وسندى في الدنيا.”
وقصت الشريط، ودخلت الستات والوجوه الشقيانة وهي بتدعي وتكبر.
في المساء.. هدوء بعد العاصفة
بعد ما الزيطة خلصت والناس مشيت، حنان طلعت تقعد في البلكونة القديمة بتاعتها. الهوا كان بارد وجميل.
كريم دخل عليها وفي إيده كوبايتين شاي بنعناع، حط كوباية قدامها وقعد على الكرسي الخشب اللي جمبها:
“تعبتي النهاردة يا أمي؟”
حنان خدت بق شاي وبصت لبعيد، للشارع الهادي:
“تعب الدنيا كله هان يا كريم لما شوفت اسمي على المكان، وشوفتك أنت وأختك وأخوكم واقفين إيد واحدة.. أنا ليلتها لما قفلت الباب في وش حسين، كنت فاكرة إن الدنيا اسودت، ومكنتش أعرف إن ربنا كان بيمهد لنا طريق أحسن بكتير.”
كريم سكت شوية وبعدين قال: “سيف طلب مني النهاردة طلب يا أمي.. وعايز أخد رأيك.”



