دمرو عيد ميلاد بنتي حكايات صافي هاني

​وأنا قاعدة، لقيت رسالة جاية لي على الموبايل من رقم غريب، فتحتها ولقيتها من طارق.

​كاتب فيها: “أنا عارف إن مالوش لزوم الكلام دلوقتي، بس أنا خسرت كل حاجة.. خسرت شغلي وسمعتي وأختي اتحبست وأمي مبقتش طايقة تبص في وشي وشايفاني السبب في خراب البيت. أنا بس بطلب منك تسامحيني، وتخليني أشوف فريدة لو ساعة واحدة برة المحكمة، أنا بتموت في اليوم مية مرة من نبرة صوتك الباردة اللي مش قادر أنساها.”

​بصيت للرسالة طويلة، مكنش جوايا غل ولا شماتة، كان جوايا راحة تامة.. الراحة اللي بتيجي لما تاخد حقك تالت ومتلت وتشوف اللي ظلمك وهو واقف في حتة ميرضاهاش لنفسه.

​مردتش عليه. مسحت الرسالة وعملت للرقم بلوك.

​قمت من مكاني، ونفضت الرملة من على فستاني، وجريت على فريدة أخدتها في حضني ونزلنا الماية نلعب ونضحك.. طارق وعيلته بقوا مجرد سطر في صفحة قديمة اتقطعت واترمت في الزبالة.

​ومن اليوم ده، حياتي بقت ملكي أنا وبنتي وبس، ومفيش أي قوة في الدنيا هتقدر تهد اللي بنيته تاني.

عدت السنين، وفريدة كبرت وبقت قدامي عروسة زي القمر، داخلة المدرسة الابتدائية ولابسة مريلتها وكأنها لسه امبارح كانت طفلة في الكرسي الهزاز. كل خطوة في حياتها كنت واقفا فيها بضهري، بشتغل وبكبر في شغلي، وبنيت لنفسي اسم في السوق الكل بيعمله ألف حساب.

​في يوم وأنا بوصلها للمدرسة، لقيت راجل واقف بعيد، هدومه مبهدلة، ووشه شايل هموم الدنيا.. دققت في ملامحه، لولا عينيه مكنتش هعرفه.

​كان طارق.

​شغله القديم اللي خسره مكنش مجرد وظيفة، ده كان مستقبله كله اللي انهار، وعرفت من معارف قدام إنه شغال دلوقتي في شركة شحن صغيرة بمرتب على قد حاله، وعايش مع والدته في شقة إيجار قانون جديد بعد ما الديون كلت الأخضر واليابس.

​وقف مكانه وبص لفريدة وعينيه دمعت، كان نفسه يقرب، بس هيبة شكلي والوضع اللي بقيت فيه خلته يخاف يخطو خطوة واحدة ناحيتنا. فريدة بصتله باستغراب وسألتني: “مين عمو ده يا ماما؟”

​بصيت لطارق نظرة أخيرة، نظرة مفيهاش غل، لكن فيها القوة اللي تخليه يعرف حجمه كويس، ولفيت وشي وبصيت لبنتي وابتسمت: “ده حد معرفة قديمة يا حبيبتي، يلا عشان متتأخريش على طابور الصباح.”

​أخدت إيدها ودخلنا، وهو فضِل واقف مكانه، يتفرج على القيمة والقمة اللي حرم نفسه منها يوم ما طاوع غل عيلته.

​الضربة اللي مابتقتلش بتقوي، وأنا الضربة دي خلقت مني إنسانة تانية خالص.. إنسانة مابتندمش على اللي فات، ولا بتخاف من اللي جاي.

الحياة دارت، وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي الجديد في الشركة اللي بقيت شريكة فيها، لقيت السكرتيرة بتمضي معايا ورق، وبتقولي بابتسامة: “يا فندم، فيه ملف تقديم لوظيفة محاسب تحت التمرين جالي، وصاحبه برة ومصمم يقابل حضرتك عشان محتاج الشغل ده جداً وضامن إن خبرته القديمة هتشفع له.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *