وجدت طفلا رضيعا حكايات صافي هاني
في أحد الأيام، بعد مرور عام كامل على تلك الليلة، كنتُ أسير في سوق محلي لشراء بعض البذور، وفجأة لمحتُ وجهاً مألوفاً. كانت رانيا.
بدا عليها التعب والكبر، لم تعد تلك الفتاة المدللة. كانت تمسك بيد طفلها الصغير الذي بدأ يخطو خطواته الأولى. تجمدتُ في مكاني لثوانٍ، والتقت أعيننا. رأيتُ في عينيها مزيجاً من الرعب، الندم، والانكسار. أرادت أن تخطو نحوي، فتحت فمها لتتحدث، ربما لتعتذر للمرة الألف.
لكنني لم أشعر بشيء. لا غضب، لا رغبة في الانتقام، ولا حتى حزن. شعرتُ بفراغ كامل تجاهها. انحنيتُ برأسي قليلاً في تحية باردة لا تحمل أي معنى، ثم التفتُّ وأكملتُ طريقي دون أن ألتفت وراء الكهف الذي خرجتُ منه.
عدتُ إلى شقتي في ذلك المساء، جلستُ في الشرفة وسط وردي الأصفر الذي بدأ يزهر من جديد بكثافة. نظرتُ إلى السماء الصافية وتنفستُ بعمق. البشر بالفعل ليسوا كالورد، البشر يخادعون، ويخفون خلف وجوههم الباسمة آباراً من الخيانة. لكنني تعلمتُ الدرس؛ القوة ليست في ألا تتأذى، بل في أن تملك الشجاعة لتقص العفن من جذوره وتستمر في الإزهار، حتى لو كنت تزهر وحيداً.
مضت سنوات ثلاث على تلك اللحظة التي غيرت مجرى حياتي بالكامل. أصبحتُ الآن أملك مشتلاً صغيراً خاصاً بي في أطراف المدينة الجديدة، مكاناً تفوح منه رائحة الطمي والياسمين والورد البلدي. أطلقتُ عليه اسم “شمس”، تيمناً بوردتي الصفراء القديمة التي كانت الشاهدة الوحيدة على انكساري، والآن على نهوضي.
أصبح المشتل ملجئي ومصدر رزقي. تعاملتُ مع النباتات والزهور كأنها عائلتي البديلة؛ أمنحها الرعاية وتعطيني الهدوء النفسي الذي سُلب مني لعقدين من الزمان. لم يعد يربطني بالماضي خيط واحد، حتى أنني نسيتُ نبرة صوت أحمد، وملامح رانيا الباكية تلاشت من ذاكرتي ولم تعد تزورني حتى في الكوابيس. قناعتي القديمة تأكدت زراعتها في قلبي: الورد أنقى وأوضح، ولا يعرف المواربة.
في أحد مساءات الربيع الدافئة، بينما كنتُ أقوم بتقليم الشجيرات قبل إغلاق المشتل، رن جرس الباب الخارجي. التفتُّ لأجد محامياً خمسينياً يرتدي بدلة أنيقة، يحمل في يده حقيبة جلدية ويسأل عني باسمي بالكامل.
أومأتُ له برأسي متسائلة عن سبب زيارته. أخرج من حقيبته ملفاً ورقياً سميكاً وضعه على الطاولة الخشبية وقال بنبرة هادئة: “السيدة ليلى، أنا وكيل السيدة رانيا… شقيقتكِ. لقد توفيت قبل أسبوعين بعد صراع قصير مع المرض”.
تسمرتُ في مكاني، وتوقفت يدي المعلقة بمقص التقليم في الهواء. لم أبكِ، لم أصرخ، لكن غصة قديمة تحركت في حلقي. واصل المحامي حديثه قائلاً: “قبل وفاتها، كتبت وصية رسمية تنازلت فيها عن وصاية ابنها ‘آدم’ بالكامل لكِ أنتِ دون غيركِ، تمنت أن يتربى بين يديكِ لتعوضيه عما فعله الكبار، وهناك صندوق أمانات باسمكِ يحتوي على إرثها كاملاً لتنفقيه على تربيته. أحمد اختفى منذ عامين خارج البلاد ولا أحد يعرف طريقه، والطفل الآن في دار رعاية مؤقتة ينتظر قراركِ”.
