وجدت طفلا رضيعا حكايات صافي هاني
لكن الخيانة لا تُداوى بالشفقة.
التفتُّ عنه دون أن أنطق بحرف واحد. دخلتُ الغرفة، جمعتُ ملابسي الضرورية وأوراقي الثبوتية، وحملتُ الصغير الذي كان نائماً وادعاً لا يدرك حجم الدمار الذي تسبب فيه وجوده. وضعتُه في مقعد السيارة الخلفي، وركبتُ خلف المقود.
لحق بي أحمد إلى السيارة يضرب الزجاج بقلة حيلة ويصرخ: “إلى أين ستذهبين يا ليلى؟ لا تخربي بيتنا!”
نظرتُ إليه من خلف الزجاج المغلق؛ لم يعد ذلك الرجل الذي أحببته لعشرين عاماً، بل بدا لي مجرد غريب، مسخ مشوه لا يربطني به شيء. أدرتُ المحرك وانطلقتُ تاركة خلفي المنزل، والحديقة، وذكريات عقدين من الزمان تبخرت في ليلة واحدة.
وجهتي الأولى كانت بيت عائلتي.
فتحتْ لي رانيا الباب، وكانت عيناها متورمتين من البكاء. عندما رأتني أحمل طفلها، شحب لونها وجفت الدماء في عروقها. دخلتُ الصالة بخطوات ثابتة ووضعتُ الطفل على الأريكة، وجلستُ بكل هدوء أمامي والدتي التي خرجت على صوتنا مستغربة.
أخرجتُ هاتفي ووضعتُ تسجيل الكاميرا على الطاولة ليعمل أمام الجميع.
ساد صمت قاتل في الغرفة، صمت لم يقطعه سوى شهيق والدتي المصدومة ونحيب رانيا التي سقطت عند قدمي تبكي وتطلب السماح. نظرتُ إليها وقلت بنبرة جافة خالية من أي مشاعر: “لقد أردتِ لفتى أحلامكِ وزوج أختكِ أن يرمي لكِ بطفلكِ ليرتاح ضميركِ وتعيشي حياتكِ دون ملاحقة العار… حسناً، ها هو طفلكِ معكِ. أما زوجي، فستصل إليه أوراق الطلاق مع أول ضوء للشمس”.
التفتُّ إلى والدتي وقلتُ لها: “كنتُ أظن أنني أهتم بالورد أكثر من البشر لأن البشر معقدون… لكنني اليوم أدركتُ أن بعض البشر ليسوا معقدين، بل هم مجرد وحوش يرتدون أقنعة الطيبة. أنا مغادرة ولن يراني أحد منكم مجدداً”.
خرجتُ من ذلك البيت وأنا أشعر بحرية لم أشعر بها من قبل. كان الألم يعتصر قلبي، نعم، وعشرون عاماً من عمري ضاعت هباءً، لكنني على الأقل تخلصتُ من كل العفن الذي كان يحيط بي دون أن أدري. مشيتُ في طريقي الجديد، وحيدة، قوية، ومستعدة لبدء حياة جديدة نظيفة تماماً كحديقة ورد قُصت كل أجزائها التالفة لتبدأ من جديد.
مرت الأشهر الأولى كأنها دهور. استأجرتُ شقة صغيرة في مدينة أخرى، بعيدة كل البعد عن مدينتي القديمة، عن أحمد، وعن رانيا. أخذتُ معي شتلات صغيرة من وردي الأصفر، وضعتها في الشرفة لعلها تمنح المكان الجديد رائحة الحياة التي افتقدتها.
لم يكن الأمر سهلاً. في كل صباح، كنتُ أستيقظ على صوت الصمت بدلاً من بكاء الطفل، وعلى فراغ المقعد الآخر على طاولة الإفطار. أحمد حاول بكل الطرق الوصول إليّ؛ أرسل رسائل اعتذار طويلة، توسل عبر الأصدقاء، وجاء إلى مقر عملي القديم يبكي، لكنني غيّرتُ كل شيء، حتى رقم هاتفي. بالنسبة لي، الرجل الذي مات في تسجيل الكاميرا لا يمكن أن يعود للحياة.
أوراق الطلاق انتهت بسرعة غير متوقعة. لم أطلب قرشاً واحداً، لم أرد شيئاً يربطني بنبض ماضيه. أردتُ فقط حريتي، ووقعتُ على الأوراق بجفاف تام، كأنني أوقع على استلام طرد بريدي لستُ بحاجة إليه.

