وجدت طفلا رضيعا حكايات صافي هاني
أصبح المشتل والحديقة المحيطة به ملتقى لعشاق الطبيعة في المدينة، وصارت قصتي مع الورد الأصفر تُروى كرمز للصمود والبدايات الجديدة، دون أن يعلم أحد بالتفاصيل المريرة التي صنعت هذه القوة.
وفي أحد أيام الخريف الهادئة، بينما كانت الحفيدة “ليلى” الصغيرة تركض حول الشجيرات، وتلتقط الأوراق المتساقطة بفرح صاخب، دخل إلى المشتل رجل مسن، يتوكأ على عصا خشبية، ويدثر جسده النحيل بمعطف رمادي قديم. كان يمشى بخطوات ثقيلة ومترددة، وعيناه زائغتان تتأملان المكان بذهول.
توقفتُ عن العمل وتوجهتُ نحوه بابتسامتي المعتادة لأرحب بالزبائن، لكنني عندما اقتربتُ منه وبانت ملامحه تحت ضوء الشمس، تجمدت الدماء في عروقي.
كان أحمد.
الزمن لم يرحمه؛ غزا الشيب رأسه بالكامل، وامتلأ وجهه بتجاعيد عميقة تحكي قصة سنوات من التشرد والندم. نظر إليّ وعيناه تفيضان بالدموع، وحاول أن ينطق باسمي لكن صوته خرج متحشرجاً ضعيفاً: “ليلى…”
في تلك اللحظة، شعرتُ باختبار أخير لقلبي. التفتُّ لأرى آدم يقف على بعد خطوات، وقد تيبس في مكانه وهو ينظر إلى الرجل الذي يحمل ملامحه، الرجل الذي كان سبباً في يتمه وحرمان أمه. ساد صمت مطبق في المكان، ولم يكن يقطعه سوى حفيف الأوراق الجافة.
تقدم أحمد خطوة واحدة نحو آدم، ومد يده المرتجفة قائلاً: “يا بني… أنا…”
لكن آدم لم ينتظر سماع بقية الجملة. نظر إليّ أولاً، فرأى في عينيّ هدوء البحيرة الراكدة، ورأى كيف علمتُه طوال حياته أن يتجاوز الماضي دون حقد، ولكن دون تراجع أيضاً.
التفت آدم إلى أحمد، وقال بنبرة هادئة، حاسمة، وخالية تماماً من الغضب: “يا سيدي، أنت أخطأت في العنوان. هذا المكان حديقة للورد النظيف، ولا يوجد هنا ما يخصك. ارحم ما تبقى من عمرك، وابحث عن سلامك بعيداً عنا”.
طأطأ أحمد رأسه، وأدرك أن العقاب الحقيقي ليس السجن أو الصراخ، بل هو أن يرى الجنة التي صنعها ضحاياه بأنفسهم، ويعلم أنه مطرود منها وإلى الأبد بفعل يده. استدار ببطء، وجر خطاه الثقيلة خارجاً من البوابة، يختفي وسط زحام الشارع كما يختفي الغبار.
تنقستُ الصعداء، وأقبل عليّ آدم يمسك بيدي ويقبل رأسها، بينما جاءت الصغيرة ليلى لتمسك بطرف فستاني وتطالبني بحملها.
حملتُها ونظرتُ إلى الأفق. الآن فقط أغلقتُ الدفتر القديم بالكامل، وتبخرت آخر ذرة غبار من الماضي. نظرتُ إلى آدم، وإلى الورد الأصفر الذي يتحدّى الفصول، وعلمتُ أن الحياة أهدتني النهاية التي أستحقها؛ نهاية تعيد ترتيب الكون بالعدل، وتثبت أن الأرض الطيبة لا تنبت إلا الثمر الطيب.
