مرات ابني اهنتني حكايات صافي هاني

مرات ابني اترقت في وظيفة كبيرة، وعزمت العيلة كلها على عشا فخم في مطعم غالي – العيلة كلها إلا أنا. في الصباحية دي، كنت ممسحة الأرضيات، وكاوية قميص ابني، ومطبقة هدوم العيال، وواقفة بطبخ في المطبخ وهم خارجين متشيكين ولابسين على السنير ومبسوطين. بعد كام ساعة، لقيت منى بعتالي رسالة: “لو جعانة، سخني بواقي الأكل اللي في التلاجة قبل ما تبوظ”.
رديت عليها بكلمة واحدة.
”ماشي.”
وبعدها طلعت الدور الفوقاني، فتحت دولابي، ولميت الشنطة اللي عمرهم ما اتخيلوا إني ممكن أخدها وأمشي بجد.
البيت كان هس هس ومفيش فيه نفس لما رسالتها وصلت.
بس مش الهدوء المريح اللي يفتح النفس.
لأ، هدوء يوجع القلب.
من نوع الهدوء اللي تسمع فيه صوت الموتور بتاع التلاجة عالي أوي، وتحس عقارب الساعة بتتريق عليك، وكل نفس بتتنفسه بيفكرك بقد إيه إنت لوحدك.
قعدت على ترابيزة المطبخ وقدامي طبق شوربة جاهزة، ولسه لابتة المريلة اللي طبخت ونظفت بيها طول النهار. ريحة إيدي كلها كلور ومنظفات، وضهري قاطم وموجوع من كتر الانحناء على سبت الغسيل. ترابيزة السفرة كانت بتبرق من النضافة عشان لسه ملمعاها بإيدي قبل ما يمشوا.
كل ده ليهم.
ولا عمره كان لنفسي.
الصبح، منى نزلت من فوق ولابسة بدلة رمادي شيك، ووشها منور من الفرحة والفخر.
وقالت بصوت عالي: “جبتها خلاص.. بقيت المديرة الإقليمية”.
أحمد خدها بالأحضان، والعيال قعدوا يظيطوا ويهتفوا. أنا كمان ابتسمت، وكنت فرحانة ليها من قلبي بجد وأنا بقولها: “مبروك يا منى، ألف مبروك”.
بصتلي يادوب طرف عينها.
”شكراً يا حماتي.”
ما قالتش يا طنط هدى.
ولا قالت يا ماما.
ولا حتى يا حاجة.
كلمة “حماتي” كده جافة، وكأنها لقب أو خانة مش بني آدمة ليها اسم.
أحمد قال إن المناسبة دي لازم تتظبط وتتحتفل صح. منى اختارت مطعم على النيل بفيو مكشوف، ومفارش بيضا، وأسعار عمر الخيال ما يخليني أصرفها على نفسي أبداً. مروان سأل لو كان ينفع ييجي معاهم.
منى ردت علطول: “طبعاً.. العيلة كلها هتيجي”.
وفي لحظة غباء وسذاجة مني، افتكرت إن الكلمة دي تشملني أنا كمان.
مسحت إيدي في المريلة وقلت: “تمام، نجهز على الساعة كام؟”
المطبخ كله سكت فجأة والتلج جمد المكان.
أحمد وطى راسه وبص في كوباية القهوة بتاعته.
منى ابتسمتلي الابتسامة الباردة والمدروسة اللي الناس بتستخدمها لما تحب تقدم قسوة وقلة ذوق بس بشياكة.
وقالت: “أوه لأ، معلش.. الليلة دي للعيلة القريبة بس، إنتِ فاهمة طبعاً”.
العيلة القريبة!
دا أنا بايعة شقتي القديمة وكل حيلتي عشان هما يعرفوا يشتروا البيت ده!
دا أنا اللي مربية عيالهم خطوة بخطوة قبل المدرسة وبعدها!
بقالي تلات سنين بطبخ وأنظف وأكوي وأطبق وأمسح وكاتمة في نفسي وساكتة.
بس في الآخر، طلعت مش من “العيلة” بما يكفي عشان أتعزم معاهم على لقمة.




