بعد الصبر جبر حكايات صافي هاني

في وسط جلسة الطلاق، جوزي تريق على شقايا وعمري اللي ضاع في مطعمه بقاله 20 سنة، وبصلي وقال: “أنتِ مجرد حمارة شغل.” ما صرختش، كل اللي عملته إني وقفت وفكيت الجاكيت بتاعي، ووريتله الندوب والجروح اللي كان فاكر إن الزمن دفنها خلاص.

​المحكمة كلها سكتت وصوت صرصار الحقل بان لما فكتور ضحك عليا. وما كانتش ضحكة توتر، لأ، دي كانت ضحكة صافية وحادة، ضحكة واحد متعود يفلت من أي مصيبة بقاله عشرين سنة.

​سند ضهره لورا على الكرسي، وهو لابس بدلة غالية ومكلفة ومفصلة على كرشه اللي بناه من شقايا وتعبى، وقال: “يا سيادة القاضي، خلينا صرحا. هي ما بنتش مطعمي ولا حاجة، دي كانت بتشيل الصناديق. كانت مجرد حمارة تحميل مش أكتر.”

​المحامي بتاعه ابتسم بسماخة.

​وصاحبته الجديدة، ماريان، كانت قاعدة وراه بفستان أحمر، ومخبية بؤها بإيدها وكأن الإهانة دي شربات مش قادرة تمسك نفسها من الفرحة بسببه.

​أنا فضلت قاعدة في مكاني، متهزتش.

​عشرين سنة من صحيان البدري والصباحية فلاش باك مر قدام عينيا. وأنا بفتح الباب الوراني للمطعم الساعة أربعة ونص الفجر. وأنا بعجن العجين لحد ما أوتار إيديا تقف من الوجع. وأنا بنقل البضاعة والمطر مغرقني عشان فكتور كان بيقول إن مصاريف الدليفري دي للمرقوعين والكسالى. وأنا واقفة قدام الفرن وجلدي بيقشر من الصهد، وهو واقف بره في الصالة بيسلم على الزباين ويقول على نفسه “راجل عصامي بنى نفسه بنفسه”.

​القاضي بصلي بحنية وقال: “مدام إيفيلين؟”

​فكتور مال براسه كدة وقال بتريقة: “يلا يا إيفيلين.. قوليلهم إزاي بقيتي ملكة المطعم بمسح البلاط والمساحة.”

​كان ممكن أعيط. كان ممكن أصرخ. وهو كان عايز كدة. كان عايز الكل يشوفني ست مكسورة، زوجة مطرودة بتشحت نص المملكة اللي هو مفهمهم إنها ملكه لوحده.

​بس أنا قومت وقفت.

​محاميتي، جورجيت، ما تحركتش من مكانها، بس حسيت بتركيزها كله معايا.

​فكيت زراير الجاكيت الرمادي بتاعي.

​ضحكة فكتور بدأت تتهز وترتعش.

​كنت لابسة تحت الجاكيت بلوزة “كات” بيج. وبكل هدوء، لَفيت دراعي الشمال لجهة المستشارين والقاعة. علامة الحرق القديمة كانت واخدة من كتفي لحد كوعي، لسه بتلمع ومبيضة، ومعوجة زي الشمع السايح. وبعدين رفعت طرف البلوزة من عند ضلوعي، حتة صغيرة بس عشان تبان الندبة الطويلة بتاعة العملية، ليلتها لما العجانة الكبيرة بتاعة المصنع هرستني عشان فكتور شال شبكة الأمان منها وقال “عشان نسرّع الإنتاج”.

​ماريان ضحكتها اختفت.

​والمحامي بتاع فكتور اتعدل في قعدته وطلع لقدام.

​قولت بكل برود: “أنت قولت للناس كلها إني وقعت في البيت.. وقولت لشركة التأمين إني مش متسجلة في القوة العاملة للمطعم.. وقولت في المستشفى إن دي مراتي وبتساعدني حب وفض غاوي.”

​وش فكتور خشب ونشف: “الكلام ده ملوش دعوة بالملكية والفلوس اللي بنقسمها.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *