ظهور امه بعد وفاتها 1 حكايات صافي هاني

ولما مات وجيت أفرز أوراقه ومكاتيبه، لقيت حاجة مفهمتهاش وقتها: على مدار سبعة وعشرين سنة، كل أول شهر، أبويا كان بيبعت فلوس لعنوان في حي السيدة زينب. افتكرتها لله، عمل خير من بتوعه، ومقرتش التفاصيل.
طلعت الموبايل في ساعتها وإيدي بتتغشّ، وفتحت الخريطة أدور على العنوان.
كانت لوكاندة قديمة وتعبانة.. على بعد ثلاث شوارع بس من المكان اللي الست دي قاعدة فيه.
وهناك، في وسط الساحة والزحمة، فهمت إني عشت نص عمري ببكي على قبر فاضي، في حين إن أبويا، أكتر راجل حبّيته في الدنيا، كان بيدفع إيجار الست الميتة!
قربت منها.. مش عارف إزاي، رجلي مكنتش شايلاني.
قعدت قبالها على ركبي. من قريب الصدمة كانت أكبر: ده وشي أنا، بس بعد ثلاثين سنة بهدلة وشقا في الشوارع.
سألتها والصوت بيقطع في حنجرتي: — اسمك إيه يا حجة؟
رفعت عينها براحة، بصت لبدلتي، لساعتي، ورجعت تبص تاني للصورة القديمة اللي في إيدها.
قالت بصوت واطي ومكسور: — العفو يا بيه.. أنا مش الست اللي بتدور عليها.
— قوليلي اسمك.. أرجوكي لله.
نطقته.. كان اسم أمي.
نفسي اتكتم فجأة.
قولتلها: — أنا شريف.. أنا ابنك.
وهنا عملت حاجة قطعتلي قلبي: معيطتش من الفرحة. غمضت عينها وكأنها بتستقبل ضربة كرباج بقالها سنين مستنياها تنزل عليها.
همست: — مكنش ينفع تلاقيني يا ابني.
— أبويا قالي إنك ميتة! سبعة وعشرين سنة! ليه عمل فينا كده؟
بصتلي بعيونها اللي شبه عيوني، ولأول مرة متهربتش بنظرها:
— أبوك معملكش حاجة وحشة.. أبوك صان الأمانة. شال الشيل لوحده واستحمل فوق طاقته عشان تكبر نضيف وراسك مرفوعة.
— صان أمانة إيه؟
— اللي أنا طلبتها منه.
الصورة وقعت من إيدها على الأرض.. صورتي وأنا عندي تمان سنين، آخر سنة شافتني فيها.
كملت، وصوتها كان هادي ومفيهوش ذرة غل، وده كان أرعب حاجة: — كان ممكن أخبط على بابك ألف مرة. شفت صورك في الجرايد، وعارفة ماركة عربيتك، ويوم ما بنتك اتولدت أنا عرفت. وأنا اللي اخترت أفضل هنا.
زعقت ودموعي نازلة: — ليه؟ في أم في الدنيا تختار الشارع وتسيب ابنها؟
وهنا قالتلي الجملة اللي رشقِت في نفوخي من ساعتها ومبتخلينيش أدوق النوم:
— أنا حرمتك من الأم.. عشان أضمن لِك الأب.
فضلت قاعد مش عارف.. هل اللي قدامي دي الست اللي رمتني، ولا الست الوحيدة اللي ضحت بجد وباعت عمرها عشاني؟
قالت وهي بتمسك إيدي، وكانت دافية زي نفس الصبح بتاع زمان: — مش أبوك اللي كدب يا شريف.. أنا اللي خليته يحلف على المصحف إنه يدفنّي قدام عينك. هو رفض وحاربني لآخر يوم في عمره. عشان كده طلب منك السماح وهو بيموت: عشان سمع كلامي أنا وعصى كلامه ليك.
جسمي بطل يتنفض فجأة. سكت تماماً وأنا ساند على الرصيف وإيدها في إيدي.
قالت: — بقالي سبعة وعشرين سنة بدعي ربنا في كل صلاة إنك متوصلش ليا. مش عشان مكسوفة من حالي.. لأ. عشان اليوم اللي هتعرف فيه أنا مشيت ليه، هتخسر صورة أبوك البطل اللي كنت بتعبده.. وأنا مش عارفة أنت هتقدر تستحمل الصدمة دي ولا هتهدك.
