ضرتي ومصروف البيت 3 اماني السيد

مرت الأيام اللي قبل السفر وشادي عايش في شبه غيبوبة، الشك بياكل في عقله أكل. كان بيبص لي وأنا بتحرك في الشقة زي القطة العميا اللي مش عارفة الضرب جاي لها منين، يحاول يفتح معايا كلام أو يفهمني، أرد عليه بابتسامة غامضة وبرود يخليه يشد في شعره. وطبعاً “الهانم” هناك كانت متبهدلة معاه؛ مفيش فسح، مفيش فلوس، والنكد شغال لأن الويك إند بتاعهم باظ والفيزا اتصفت على بيتي وعياله وأمه.
لكن كل ده كان في كفة، والتحضير للضربة القاضية كان في كفة تانية خالص. شادي كان فاكر إن أقصى طموحي هو أسبوع في الساحل وشوية طلبات ودلع، وميعرفش إن المصيف ده مكنش أكتر من “ستار” وتنويم مغناطيسي عشان أعرف أتحرك من وراه في هدوء ومن غير ما يشك في خطوتي الجاية.
قبل السفر بيومين، نزلت الصبح بدري بعد ما نزل شغله والولاد كانوا عند أختي. رحت أول حاجة على السجل المدني، وبمنتهى الثبات والهدوء وقفت في الطابور وطلعت “قيد عائلي” باسمه.. كنت عايزة المستند الرسمي اللي يثبت جوازه الثاني باليوم والتاريخ والاسم الثلاثي للست اللي بتتحكم في لقمة عيالي، عشان يبقى معايا الدليل القانوني المدمغ اللي مفيش فيه مفر.
أول ما استلمت الورق وبصيت في اسم ضرتي المكتوب في السطور، حسيت بنغزة في قلبي، بس النغزة دي اتحولت في ثانية لقوة وجبروت عمري ما حسيت بيهم قبل كدة.
أخدت القيد العائلي وصور الرسائل اللي طبعتها في مكتب كمبيوتر بره، ورحت علطول على مكتب محامي كبير كنت سائلة عليه كويس. قعدت معاه وحطيت المستندات كلها قدامه على المكتب، وقلت له بنبرة صوت مفيش فيها رعشة واحدة:
ـ “أنا عايزة أرفع قضية طلاق للضرر.. جواز من غير علمي، وإضرار مادي ونفسي بيا وبعيالي، ومعايا كل الأدلة.”
المحامي بص في الورق وابتسم بثقة وقال لي: “قضيتك كسبانة يا مدام أماني، القيد العائلي لوحده مع إثبات عدم علمك وتضرررِك كفيل ينهي الموضوع لصالحك، ده غير مصاريف الولاد ونفقتك.. إحنا هنبدأ الإجراءات فوراً.”
وقعت التوكيل للمحامي، وخرجت من المكتب وأنا حاسة إني طايرة فوق الأرض.. النفس اللي كنت بطلعه بوجع وقهر بقيت أطلعه براحة ونصر.
رجعت البيت قبل ما ييجي، حطيت كارت الحجز الفندقي بتاع الساحل على ترابيزة الصالة عشان يشوفه أول ما يدخل، وشلت عَقْد المحامي وإيصال القضية والقيد العائلي في أأمن مكان في الدولاب وسط هدومي..
لما جه بالليل ووشه شايل الهم، بص لكارت الحجز وقال بقلة حيلة: “يعني خلاص، السفر بعد بكرة؟”
بصيت له وأنا برتب هدوم الولاد في الشنطة بكل برود وقلت له:
ـ “آه يا حبيبي بعد بكرة.. جهز نفسك عشان السفرية دي هتبقى أهم وأغرب سفرية في حياتك كلها.. سفرية مش هتنساها العمر كله!”
طبعاً البيه كان فاكرني بتكلم عن جمال الفندق والبحر، وميعرفش إنها هتبقى سفرية نهاية “البيه المتحكم” وبداية عصر جديد ملوش فيه أي كلمة!
دخلنا أوضتنا، وأول ما قفلنا الباب والولاد جروا على البلكونة وفرحتهم مالية المكان، لف لي شادي وهو شايل الشنط وحطهم على الأرض بنفخة ضيق، وقعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وقال بصوت واطي ومكتوم:
ـ “ارتحتي يا أماني؟ اديكي جيتي الساحل، ودبستيني في الألوفات، وفضيتي الفيزا بتاعتي.. قوليلي بقا، إيه آخرة الدلع والطلبات والأسلوب الجديد ده؟ ناوية على إيه تاني بعد المصيف؟”
بصيت له وأنا بطلع الهدوم من الشنطة بكل هدوء وببتسم ابتسامة صافية ورايقة جداً، وقلت له بنبرة كلها برود:
ـ “ناوية على كل خير يا أبو العيال.. جرى إيه يا شادي؟ اتمتع بالبحر والفيو الجميل، ده الفندق غالي ومكلفك الشيء الفلاني، خسارة تضيع الويك إند في النكد والتفكير.. اخرج اقعُد مع ماما وفادية وبسطهم، مش أنت ابنهم البار برضه؟”
بصلي بنظرة حائرة تماماً، الشك بياكله ومش قادر يوصل لأي نتيجة، هل أنا كاشفة حاجة وبلعب بيه؟ ولا أنا مجرد ست طمعت في قرشين وحبت تتفسح وتغيظه؟ هدوئي وابتسامتي رعبوه أكتر من أي زعيق.
فاتت أيام المصيف وأنا عايشة هانم؛ بنزل البحر مع الولاد، بضحك مع حماتي وأخته، وأخليه يدفع في المطاعم والكافيهات وهو ساكت ومستسلم تماماً عشان يداري على شكله قدام أهله، وطبعاً تليفونه كان شغال رن من الرموز والقلوب وهو بيكنسل بخوف وبيفكر فى كدبه
كنت ببص له وهو بيدفع الحساب في كل مكان وبقول في بالي: “ادفع يا شادي.. املا لي عيون عيالك وأهلك بالخير، عشان لما الضربة الكبيرة تنزل عليك في القاهرة، ما يبقاش ليك عين تشتكي ولا تلاقي حد من أهلك يقف في صفك!”
خلص المصيف ورجعنا الشقة في القاهرة.. نزلنا الشنط وحماتي وأخته روحوا وهم طايرين بيا ويدعوا لي وله. دخل شادي الشقة وهو حاسس إن الكابوس المادي خلص وأخيراً هيرجع لحياته الطبيعية ويلمس تليفونه براحته ويصالح الست التانية.
رمى مفاتيحه على الترابيزة ودخل الحمام ياخد دش.. في اللحظة دي، طلعت أنا الملف الشفاف اللي فيه القيد العائلي وعقد المحامي وإيصال قضية الطلاق للضرر، وحطيتهم في نص الصالة على الترابيزة جنب المفاتيح بتاعته.. وقعدت على الكرسي حاطة رجل على رجل، ومستنية البيه يخرج عشان يشوف “القرار الحاسم” اللي هيشقلب حياته العمر كله
خرج شادي من الحمام وهو بينشف شعره بالفوطة، وكان باين عليه الارتياح إنه أخيراً رجع لملعبه وبيته بعد أيام الشد العصبي في الساحل. مشي ناحية ترابيزة الصالة عشان ياخد مفاتيحه وتليفونه، بس عينه وقعت على الملف الشفاف اللي حطاه في نص الترابيزة.
حط الفوطة على كتفه ومد إيده واستغرب، فتح الملف وبدأ يقرا.. وفي ثانية واحدة، الملامح المسترخية دي اختفت تماماً. وشه اتشد، وعينيه بقت تروح وتيجي على الورق بذهول؛ قيد عائلي باسمه وباسم مراته الثانية، توكيل للمحامي، وإيصال رسمي برفع دعوى طلاق للضرر!
لف لي وهو ماسك الورق في إيده وإيديه بترتعش من الغضب والصدمة، وزعق بصوت هز الحيطة:
ـ “إيه القرف ده؟ أنتِ من ورايا بتعملي قيد عائلي وبترفعي قضية طلاق للضرر؟! بقى أسبوع الساحل والتدبيس والعزومات كان تمثيل عشان تلعبي اللعبة دي من ورايا يا أماني؟!”
فضلت قاعدة مكاني في منتهى الثبات، حاطة رجل على رجل، وبصيت له ببرود قاتل وقلت له:
ـ “اللعبة دي لعبتك أنت من زمان يا شادي.. أنا يدوب اتعلمت منك وبدأت ألعبها صح.”
رمى الورق على الترابيزة بغل، وجز على سنانه وقرر في اللحظة دي يتخلى عن كل أقنعته ويمشي بمبدأ الهجوم، قرب مني وقال بنبرة كلها قسوة وجحود:
ـ “تمام.. كويس إنك عرفتي وريحيتني من السيرك اللي كنتِ عاملاه! أهو ورقك ده بليه واشربي ميته.. أنا فعلاً متجوز، ومتجوز الست اللي اختارها قلبي.. أنا بطلت أحبك يا أماني، ومبقتش شايفك غير أم لعيالي وخدامة لأمي وبس! والست اللي أنتِ زعلانة إنها بتجيب الطلبات، دي الست اللي في القلب.. والوضع ده هو اللي عندي، ليكِ هنا مصروف بيتك وعيالك بالملي زى ما كنت بعمل، وتعيشي وترضي بالأمر الواقع وتربي عيالك.. وإلا الباب يفوت جمل، وأعلى ما في خيلك اركبيه أنتِ ومحاميكِ!”
الكلام كان زي السكاكين، بس نزل على قلب مابقاش بيحس بنذالته خلاص. قمت من مكاني بكل شموخ، وبصيت في عينيه بنظرة ثقة رعبته وقلت له:
ـ “أنا فعلاً هركب أعلى ما في خيلي يا شادي.. بس مش هخرج من الباب لوحدي.”
مشيت ناحية أوضة الولاد، ندهت عليهم وجمعتهم، وأخدت شنطتي الصغيرة اللي كنت مجهزاها من الصبح، ووقفت عند باب الشقة ولفيت له وهو باصص لي بذهول مش فاهم أنا بعمل إيه.
قلت له بصوت قوي وقاطع:
ـ “أنا ماشية يا أبو العيال.. وسايبالك الولاد أهم مع شنطهم، ربيهم أنت والست اللي في القلب وأمك الغالية! وريني بقى الهانم بتاعتك هتشيل مسؤولية ولاد وعجوزة ازاي وهي اللي مش طايقة تسمع كلمة “طلبات”؟ وريني هتعرف تخرجها وتفسحها بالفيزا المصفية ازاي والمسؤولية كلها بقت فوق كتافك؟”
برق عينيه واتخض وحاول يقف في طريقي: “أنتِ اتجننتي؟! هتسيبِ عيالك وتمشي؟!”
زقيته من طريقي وفتحت باب الشقة وقلت له والنار في عيني:
ـ “هسيبهم عندك أمانة لحد ما المحكمة تحكم لي.. أنا مش هقعد في بيت مع راجل بايعني، ومش هروح عند أهلي بعبء عيال تذلني بيهم.. أنا ماشية لوحدي، وأسبوعين بالظبط وقضية الطلاق للضرر دي تخلص، وهترد لي شقتي دي غصب عن عينك لأنها هتبقى من حقي كحاضنة، ويومها هترجعني أنا وعيالي هنا وأنت مطرود بره.. ويومها بقى، ورجلك فوق رقبتك، هتدفع النفقة، والمؤخر، والمتعة، ومصاريف المدارس واللبس، وكل مليم خنصرته مني ومن عيالي طول السنين اللي فاتت.. اشبع بقى بالست اللي في القلب يا شادي، وشيل المسؤولية لحد ما أرجع آخد مكاني وأرميك بره!”
سبته واقف في نص الصالة والولاد بيعيطوا ، وقفلت الباب ورايا ونزلت السلم وأنا حاسة بانتصار عمري ما عشته قبل كدة.. المعركة بدأت، وأنا اللي هنهيها بشروطي!
نزلت السلم وجسمي كله بيرتعش، مش من الخوف ولا من الضعف.. ده كان زلزال القوة اللي محبوس جوايا بقاله سنين وانفجر أخيراً. ركبت أول تاكسي قابلني ورحت على بيت أهلي. أمي أول ما شافتني داخلة لوحدي ومن غير الولاد اتخضت، وجريت عليا: “خير يا أماني؟ فين الولاد؟ وفي إيه اللي جرالك؟”
رميت نفسي في حضنها ونزلت دموعي.. بس المرة دي مكانتش دموع حسرة، دي كانت دموع غسيل لكل الوجع والقهر. حكيت لها وحكيت لبابا وأخويا على كل حاجة من طققطق لسلام عليكم، ووريتهم صور شات الخيانة وقضية الطلاق للضرر اللي رفعتها.
أخويا وقف ودمه بيفلي وقال: “والله ما هنسيبه، والبيت ده هيرجعلك ورجليه فوق رقبته”. بابا حط إيده على كتفي وقال بتفهم: “جدعة يا بنتي.. الست اللي ترضى بالمهانة دي متستاهلش تعيش هانم، والعيال عياله يتربوا في حِجره لحد ما القانون يديكِ حقك وشقتك كاملة”.
في الناحية التانية.. التليفون مكنش بيبطل رن! شادي فضل يتصل بيا وبأهلي زي المجنون، ومحدش فينا بيرد عليه تماماً.. سبناه ياكل في نفسه.
عدى أول يومين، والسيناريو اللي خططت له بالمسطرة بدأ يتنفذ بحذافيره. شادي اللي مكنش بيشيل كوباية من مكانها، لقى نفسه فجأة دبس في مسؤولية “أب وأم” لفلذات أكباده؛ صحيان بدري، تحضير فطار، غسيل، ومذاكرة دروس! وطبعاً “الهانم اللي في القلب” أول ما عرفت إن أماني سابت البيت والعيال بقوا في رقبة شادي، اتجننت! الست مكانتش متجوزاه عشان تقعد تأكل وتغسل لعيال ضرتها، دي كانت متجوزاه عشان الويك إند واللبس الجديد والخروجات اللي بالفيزا.
في اليوم الثالث، جالي اتصال من رقم غريب، فتحت ولقيت صوت شادي طالع مخنوق، منهار، وصوته فيه نبرة ذل عمري ما سمعتها منه:
ـ “أماني.. أرجوكِ اسمعيني، البيت بيخرب، والولاد مبيبطلوش عياط وعايزينك.. والست اللي كنتِ فاكراها في القلب، أول ما شافت عيالك قفلت تليفونها وقالت لي دي مش مسؤوليتي! أنا مستعد لأي حاجة.. مستعد أطلقها ومستعد أكتب لك الشقة باسمك، بس ارجعي لبيتك وعيالك!”
أخدت نفس طويل، وضحكت بصوت عالي سمّعه كسرت رقبته، وقلت له بكل جبروت:
ـ “تطلقها أو متطلقهاش.. ده مابقاش يخصني يا شادي، والبيعة اللي بعتها بمزاجك مفيش فيها رجوع.. أما الشقة فالمحكمة هتردهالي غصب عن عينك وبقوة القانون كحاضنة، ومعاها كل مليم مؤخر ونفقة ومتعة.. شيل مسؤولية عيالك بقا يا حبيبي كام أسبوع كمان، ودوق المر اللي دوقتني فيه سنين.. سلام يا أبو العيال.. نتقابل في المحكمة!”
قفل السكة في وشي وهو مكسور، وأنا قفلت التليفون ورميته على السرير، وحسيت بنشوة انتصار خلتني أتنفس لأول مرة من سنين ونفسي مرتاح.. الوجع اللي كان في صدري اتمحى تماماً وحل مكانه يقين إني ماشية في الطريق الصح.
فات أسبوع ورا أسبوع، والمحامي بتاعي كان شغال زي الرهوان.. أوراق قضية الطلاق للضرر اتقدمت، ومعاها حافظة المستندات اللي فيها القيد العائلي ورسائل الخيانة والإضرار المادي والنفسي، وطلب تمكين من شقة الزوجية كحاضنة. شادي كان بيروح الجلسات ووشه في الأرض، عاجز عن الإنكار قدام الأدلة والمستندات الرسمية اللي حطيتها في عينه.
في نفس الوقت، كان وضعه في البيت كرب.. عرفت من الجيران إنه بقا شبه المجنون، الست الثانية سابته رسمي وقفلت صفحتها من حياته أول ما لقت الشغف والخروجات اتقلبوا لطبيخ وتدريس ومسؤولية عيال، وهو مبقاش ملاحق على مصاريف البيت والطلبات اللي كان بيستخسرها فيا.. بقا بينزل بنفسه يشتري بالشيء الفلاني ويدفع دم قلبه، ويدوق نفس الكأس اللي شربني منه؛ التعب والمسؤولية والضغط العصبي.
وبعد شهرين من الشحططة والمحاكم، صدر الحكم اللي كنت مستنياه بفارغ الصبر.. **حكم بالطلاق للضرر، مع إلزامه بدفع المؤخر بالكامل، ونفقة متعة وعدة، ونفقة شهرية محترمة للولاد تشمل مدارسهم ولبسهم وعلاجهم، وفوق كل ده.. قرار التمكين من الشقة ليّا أنا والولاد لوحدنا!**
يوم تنفيذ قرار التمكين، رحت مع المحامي وقوة من الشرطة عشان أستلم شقتي.. شادي كان واقف على الباب وهو بيلم هدومه في الشنطة اللي نزل بيها يوم المصيف، بس المرة دي مكنش مسافر يتفسح، ده كان مطرود بره بيته بقرار محكمة.
بصلي بنظرة كلها ندم وانكسار، وقرب مني وقال بصوت يادوب مسموع:
ـ “أنا أسف يا أماني.. أنا ضيعت نفسي وضيعت بيتي بإيدي.. مفيش أمل تسامحيني ونبدأ من جديد عشان الولاد؟”
بصيت له من فوق لتحت بابتسامة ثقة وشموخ، وفتحت له الباب على آخره وقلت له:
ـ “الولاد هيتربوا هنا في عزهم وفي شقتهم، والفلوس اللي كنت بتستخسرها فينا، المحكمة هتحولها لحسابي كل شهر ورجلك فوق رقبتك.. أما أنت يا شادي، فمكانك مابقاش هنا خلاص.. اشبع بقى بالوحدة والندم، وافتكر دايماً إن الهانم اللي استقلّيت بيها، هي اللي قعدتك في الشارع!”
خرج وجر شنطته وراه، وأنا قفلت الباب بالمفتاح.. ولفيت لقيت عيالي بيجروا عليا ويحضنوني وهم فرحانين برجوعهم لبيتهم. حطيتهم في حضني وبصيت للسما وقلت: “الحمد لله”.. المعركة خلصت، وأنا اللي نهيتها بشروطي، وبدأت من النهاردة حياتي الجديدة.. هانم ومرفوعة الرأس.
وعند شادي.. الجحيم الحقيقي بدأ لما لقى نفسه في دوامة مفيش منها مخرج؛ دوامة “القرش” اللي شح، والأهل اللي قلبوا عليه.
الهانم الثانية مكانتش متجوزاه لسواد عيونه، دي كانت متجوزة الفنجرى اللي الفيزا بتاعته بتنزف عروض ولبس وفسح، فلما رجع لها من المصيف والفيزا مصفية، تلتها جرة قلم المحامي بتاعي اللي حجزت على مرتبه وحساباته عشان نفقة العيال والمؤخر والمتعة.. الدنيا اسودت في وشها تماماً.
أول ما عرفت إن الفلوس اللي كانت بتجيلها بالملي طارت كلها للمحاكم وقضايا النفقة، لوت بوزها وشعللت البيت خناق:
ـ “يعني إيه الحسابات اتجمدت؟ يعني إيه النفقة هتاخد نص مرتبك؟! أنا مالي بأماني وقضاياها؟ أنا متجوزاك عشان أعيش هانم، مش عشان تقشفني وتقولي الميزانية مضغوطة! اتصرف وهاتلي فلوس وإلا وعهد الله ما هقعد لك فيها ثانية!”
شادي لقى نفسه لأول مرة مطحون.. بقى ينزل من النجمة يدوّر على شغل إضافي، وبقى يدخل البيت شايل الهم، بدل ما كان بيدخل بالهدايا، بقا يدخل ومحفظته فاضية.. والست اللي كان بيقول عليها “في القلب”، بخلت عليه حتى بالكلمة الطيبة، وبقت كل عيشتهم مع بعض خناق وصريخ على القرش والمليم اللي ناقص.
ودخلة أهله في الموضوع كانت القشة اللي قسمت ضهر البعير.. حماتي وأخته أول ما عرفوا بالخناق وقصة الجوازة الثانية اللي كانت مستخبية، وعرفوا إن شادي كان مخبي عليهم ومفهمهم إن أماني هي اللي بتتدلع، انقلبوا عليه 180 درجة.
حماتي كلمته في التليفون وهي بتعيط وتدعي عليه:
ـ “بقى تكسر بخاطر أماني الست الأصيلة اللي كانت شيلاني في غيابك وتتجوز عليها من ورايا يا شادي؟ بقى تفضحنا قدام الناس وتخلي الستات الغريبة تتحكم في لقمة عيالك؟ أنا مش راضية عنك ليوم الدين لحد ما ترجع لعقلك وترد لأماني كرامتها وشرفها!”
أخته كمان دخلت على الخط وبقت تسمعه كلام زي السم في التليفون: “بقى تبهدل عيالك عشان واحدة واخداك على طمع؟ أهو أول ما فلوسك قصرت ورتنا وشها الحقيقي.. صغرتنا قدام الناس وبقيت ماشي على عماك!”
شادي بقى عايش في شبه جزيرة معزولة؛ مراته الثانية بتاكل في جثته ومبتديلوش لقمة من غير نكد ومطالب مادية مبيقدرش عليها، وأهله مقاطعينوا وبيدعوا عليه ليل نهار وشايفينه بني آدم نذل وصغرهم قدام الناس بعد ما كانوا فاكرينه بار بيهم. العيشة مع “الهانم الثانية” بقت لا تطاق، وبقى يبص لنفسه في المراية وهو مش لاقي تمن علبة السجاير، وعارف إنه خسر كل حاجة.. خسر فلوسه، وأهله، وكرامته، والست الأصيلة اللي مكانتش بتكلفه مليم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *