حماتي طمعانه في بيتي 1 نرمين عادل همام

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
يوم ما بدأت حماتي تقيس أركان بيتي حتة حتة، وتتمشى فيه بثقة وغرور وكأنه شقتها اللي ورثتها عن أبوها وجابتها بفلوسها، في اللحظة دي بالذات لّمض الرعب نورت في دماغي، وفهمت وعرفت إن جوازي وبقائي في البيت ده بقوا في خطر حقيقي، وإن المركب اللي ركباها مع جوزي داخلة على غرق محقق ومفيش منه مفر لو فضلت ساكتة.
أنا اسمي هناء.. وطول عمري، من صغري ولحد ما اتجوزت، كنت فاكرة وسرحانة في وهم إن مشاكل الحموات والبيوت والسلائف دي حاجات بتسمع عنها بس، قصص وحكايات بتحصل للناس التانية البعيد عننا، للستات الغلبانة اللي بنسمع حكاويهم وشكاويهم في الراديو الصبح وإحنا بنغسل المواعين وبنروق البيت، ونقعد نسمع ونضرب كف على كف ونقول: “يا ساتر يا رب.. ربنا ما يكتبها علينا”. مكنتش أتخيل ولا ييجي في بالي في يوم من الأيام، إن حكايتي أنا الشخصية ومأساتي هتبدأ في يوم تلات عادي جداً وملوش أي ملامح، وبحاجة تافهة زي متر قياس لونه وردي، وابتسامة نصر صفرا وخبيثة مرسومة على وش حماتي.
دخلت عليها أوضة الضيوف “الصالون”، لقيتها واقفة في نص الأوضة، ماسكة في إيدها المتر الوردي ده وبتقيس كل زاوية وكل حيطة بتركيز غريب وعجيب، عينيها كانت بتلمع وهي بتبص للسقف وللأرض وكأن المكان كله بقى ملكها خلاص وتحت تصرفها. كانت بتتحرك بخطوات بطيئة وتمتم بالأرقام وصوتها واطي بتعده، ومركزة ومستغرقة في اللي بتعمله لدرجة إنها من كتر حماسها مشافتنيش أصلاً وأنا واقفة على الباب وبراقبها بذهول. كان باين من نظراتها إن في دماغها الأوضة دي خلاص اتلغت واتفرشت بعفشها هي، وذكرياتها هي الكئيبة، وطريقتها هي في العيشة والتحكم.
التفتت أخيراً ووقعت عينها عليا، وقالت بنبرة كلها أمر ومن غير ما تكلف نفسها وتبص في وشي حتى: — “بصي يا هناء.. الحيطة دي اللي فاصلة بين الأوضة والصالة لازم تتهد خالص وتتفتح على بعضها. لما ننقل هنا الشهر الجاي إن شاء الله، هنحتاج مساحة واسعة وكبيرة عشان الصالون المذهب بتاعي الكبير ياخد راحته والناس تشوفه أول ما تدخل.”
أنا أول ما سمعت الكلمتين دول، حسيت كأن في تيار كهربا عالي ضرب في جسمي كله من رجلي لراسي، ورمشت بعيني كذا مرة ورا بعض وأنا مش مصدقة وداني ولا مستوعبة الكلام اللي بيتقال، وقولت لها بنبرة مشدوهة: — “تنقلوا فين يا حاجة صفية؟ ومنين اللي هينقل هنا إن شاء الله؟ الشقة دي شقتي!”
رفعت عينها وبصت لي بضيق وزهق، والابتسامة اختفت من وشها، وبصت لي كأني عيلة صغيرة غبية قاطعتها وهي بتعمل حاجة مهمة وليها قيمة، وقالت لي ببرود مستفز:
— “أنا وحماكي يا بنتي.. شريف قال لنا ونبه علينا إن البيت ده من هنا ورايح هيكون لينا وبتاعنا. إحنا خلاص اتكلمنا واتفقنا مع مهندس ديكور شاطر، وشوية تعديلات وهدم بسيط في الحيطان، وهيبقى جنة حقيقية نقضي فيها أيام المعاش براحتنا ومن غير دوشة القاهرة.”
وداني في اللحظة دي بدأت تصفر صفيراً غريباً من كتر الصدمة، والدم هرب من وشي. البيت ده.. البيت ده اللي مبني في العجمي وعلى البحر مباشرة، مكنش بالنسبة لي مجرد شقة عادية ولا عقار للبيع والشراء. ده الحاجة الوحيدة والذكرى الغالية اللي طلعت بيها من ريحة أبويا الله يرحمه ويحسن إليه. هو اللي بناه طوبة فوق طوبة، وشقي فيه وتعب السنين كلها بعد ما بقى أرمل وأمي ماتت، عشان يأمّن لي مستقبلي وميخلينيش محتاجة لحد. هناك في البيت ده، أنا قضيت أحلى وأجمل أيام صيفي وأنا صغيرة، كنت بقف في البلكونة أتنفس ريحة اليود الصافية، وأتعلم من البحر إن الوحدة ساعات بتبقى ونس وأفضل بكتير من لمت الناس الكدابة.
بلعت ريقي بصعوبة، وقلت بصوت واطي ومكتوم وأنا بحاول على قد ما أقدر أتحكم في أعصابي عشان متفرقعش فيها:
— “بس البيت ده بيتي أنا.. ملكي أنا ومكتوب باسمي يا حاجة صفية، مش ملك شريف ولا ملك حد تاني عشان يوهبه.”
ضحكت ضحكة صفرا عالية، فيها كمية تعالي وغرور غريب يفرس، وقالت لي وهي بتهز إيدها باستهانة: — “يا خبر يا هناء! إيه الكلام ده؟ متكبريش الموضوع وتعملي حكاية من مفيش.. إنتي وشريف واحد، مفيش بين الراجل ومراته الكلام ده، واللي ليكي ليه واللي ليه ليكي، والبيت بيته. بلاش تعملي دراما على الصبح وتنكدي علينا وعلى الراجل وهو لسه جاي من شغله.”
كلمة “بلاش دراما” دي، نزلت على كرامتي وجرحتني أكتر من أي شتيمة وإهانة ممكن أسمعها في حياتي. بصيت لها بجمود وقولت لها بصوت ناشف: — “فين شريف؟”
ردت عليا وهي بتشاور بإيدها ناحية البلكونة الكبيرة:
— “في البلكونة مع الباشمهندس مهندس الديكور.. تعالي معانا جوه يلا، عشان تاخدي على الفكرة وتتفرجي وتتعودي على شكل البيت الجديد.”
مردتش عليها ولا بكلمة واحدة. لفيت وشميت في الطرقة ورجلي تقيلة وشايلااني بالعافية كأني ماشية على مسامير. ومن بعيد، وأنا بقرب من البلكونة، كنت سامعة صوت جوزي، شريف، بيتكلم بحماس شديد وصوته عالي عن هدم الحيطان وتوسيع الصالة الكبيرة، وإزاي يستغل فيو البحر الساحر ده صح وبشكل مودرن.
كان بيقول للمهندس بنبرة فخر وحب جارف لأهله:
— “أبويا وأمي يستحقوا كل خير في الدنيا دي.. تعبوا وشقيوا طول عمرهم عشاني وعشان يكبروني، والبيت ده والمكان الهادي ده أقل حاجة ممكن أقدمها لهم في أواخر أيامهم عشان يرتاحوا وينسوا التعب.”
وقفت ورا باب البلكونة الإزاز، مستخبية وبراقبهم.
المهندس كان واقف ماسك لوحة وبيهز راسه بالموافقة على كل كلمة شريف بيقولها، وحمايا قاعد على الكرسي بيشرب سيجارة في صمت ورايق، وشريف واقف في النص وبيشاور بصباعه على الحيطة الأساسية اللي أبويا بناها بدم قلبه وعرقه وشقاه، وكأنه بيشاور على حيطة في شقة إيجار قديم رخيصة وعايز يخلص منها ويهدها في أسرع وقت.
حسيت في اللحظة دي بنغزة حامية وقوية في صدري كأن سك..ين غرزت في قلبي، خلتني مش قادرة أخد نفسي ولا أتنفس الهوا. رجعت لورا بسرعة، ودخلت جوه الأوضة وفتحت الدرج السري اللي شايلاه ومحافظة فيه على الفايل الأخضر بتاع بابا الله يرحمه. مديت إيدي المرتعشة وطلعت ورقة الملكية الأصلية المسجلة، وصوت خروشة وملمس الورق وهو بيحك في إيدي كان بيبث فيا قوة غريبة وبيفكرني بأبويا. مسكت الورقة وقبضت عليها بكل عزمي،
وخرجت بكل ثبات وخطوات سريعة ناحية البلكونة والورقة في إيدي عشان أواجه الكل.
وقفت على عتبة البلكونة، الهوا الشديد اللي جاي من ناحية البحر ضرب في وشي، لكنه ما برّدش النار اللي كانت قايدة في صدري. رفعت راسي، وبكل قوة وقفت وثبتّ رجلي في الأرض، وقولت بصوت عالي، حاد وقاطع، زلزل الهدوء اللي كانوا عايشين فيه:
— “شريف!.. لازم نتكلم. دلوقتي حالا ومفيش تأجيل.”
في ثانية واحدة، التلاتة لفوا وبصوا لي بذهول. المهندس اللي كان واقف يشخبط على اللوحة، أول ما حس بنبرة صوتي وشاف الورقة في إيدي، اتكسف ونزل عينه في الأرض علطول وخطا خطوتين لورا عشان يخرج نفسه من الحرج. وحمايا، اللي كان قاعد بيشرب سيجارته ومستني الشقة تجهز، عمل نفسه مش هنا وطلع موبايله وبدأ يبص فيه ويتشغل بأي حاجة. وفي نفس اللحظة، حسيت بخطوات ورايا، كانت حماتي الحاجة صفية اللي ظهرت فجأة من المطبخ أو الصالة،
ووقفت ورا ظهري وعينيها راشقة فيا، والمتر الوردي المستفز لسه متعلق في إيدها وكأنها بتثبت ملكيتها للمكان.
أنا ما همنيش حد فيهم، مديت إيدي اللي كانت بترتعش من الغيظ، ورفعت الورقة وقربتها من وش جوزي شريف. الورقة دي مكنتش مجرد مستند،
دي كانت عقد الملكية المسجل الأصلي، واسمي أنا “هناء” كان مكتوب فيها بالبونت العريض الواضح اللي ما يختلفش عليه اتنين.. ملكية خاصة وصريحة وخالصة ليا لوحدي.
بصيت في عينيه مباشرة وقولت له بنبرة كلها غل وعتاب وقهر: — “فهمني يا شريف.. قولي كدة وبص في عيني، إمتى وبأمارة إيه قررت تهادي ببيتي وتتبرع بورث أبويا لأهلك من غير ما تكلف نفسك وتسألني أو تاخد رأيي حتى؟”
السكوت اللي حصل في اللحظة دي كان مرعب ومخيف، ومحدش فيهم كان قادر ينطق. شريف وقف متنح، فتح بقه وقفلّه كذا مرة كأنه سمكة طالعة من المية ومش لاقي كلام يقوله أو يبرر بيه عملته، وبعدين لما لقى نفسه في موقف وحش قدام أبوه والمهندس، نفخ بضيق وزهق ولوا بوزه وقال بنبرة كلها تحكم واستعلاء:
— “بصي يا هناء.. من الآخر كدة ومن غير كلام كتير ولف ودوران، لو مش هتقبلي بالوضع ده، وتوافقي إن أبويا وأمي يعيشوا هنا، يبقى جوازنا ده ملوش أي مستقبل، وكل واحد يروح لحاله.”
الكلمة دي لما طلعت من بقه، نزلت على دماغي وقلبي زي الصاعقة اللي حرقت كل حاجة جوايا. حسيت إن الدنيا اسودت في عيني، وبصيت له بذهول وقولت له بصوت متقطع من كتر الصدمة:
— “إنت.. إنت بتبتزني بجوازنا وبيتنا؟ بتهددني بخراب بيتي عشان بيت أصلاً مش بتاعك ولا ليك فيه طوبة واحدة؟”
رد عليا بمنتهى البرود اللي في الدنيا، وحط إيده في جيبه وكأنه بيتكلم في صفقة تجارية: — “ده مش ابتزاز يا هناء، دي الحقيقة والواقع اللي لازم تفهميه. أبويا وأمي كبروا في السن وتعبوا، ومش هينفع أبداً يعيشوا في شقة العمرانية الضلمة المكتومة دي أكتر من كدة، الشقة هناك جابت لهم المرض، وهنا في العجمي الهواء نضيف والبحر قدامهم وهيريحوهم صحياً ونفسياً.. أنا أخدت قرار منطقي ومفهوش عيب.”
ضحكت بمرارة وقولت له بصوت عالي مخنوق بالدموع:
— “منطقي؟ منطقي لمين بالظبط يا شريف؟ ليك ولأهلك؟ إمتى من الأيام كان منطقي وأصول وعقلي يقول إنك تروح تتصرف في ورثي وحاجة أبويا الله يرحمه وتجيب مهندس يهد حيطانه من غير ما تنطق بكلمة واحدة معايا، أو تعمل حساب لمرأتك اللي واقفة قدامك دي؟”…..يتبع للجزء الثاني والاخير


