في عزومة عيد الميلاد حكايات صافي هاني

مبقاش غضبان.
ملامحه بقت باردة جداً.
برود ينهي أي كلام.
مشى لحد ليلى، ونزل على ركبه قدامها، ومسح دموعها بصباعه. وبعدين مسك إيدها ورجع بيها تاني صالة السفرة.
بص لأمه.
وبعدين لأبوه.
وبعدين لكل قرايبه اللي قاعدين على السفرة.
طارق قال وصوته هادي ومشرط: “عيالي الحقيقيين؟ طب خلوني أبسطهالكم. ليلى بنتي. وبقت بنتي من أول يوم اخترتها فيه، وحبيتها، وحميتها، وكنت ضهر ليها في كل لحظة.”
وش فادية هرب منه الدم.
وطارق كمل كلامه: “وأي حد قاعد هنا فاكر إن الدم أهم من الحب والمودة والرحمة اللي ربنا أمرنا بيهم، يقدر يتفضل ويقوم من عيد ميلادي حالاً.”
أبوه وأمه وشهم بقى أبيض زي القماش.
بعدها طارق بص لي وقال الكلمتين اللي غيروا كل حاجة.
طارق بص في عيني وقال بثقة وهدوء هز القاعة كلها: “لمي حاجتك وحاجة البنات يا منى، إحنا مش هنقعد في مكان بنتي تتهان فيه.”
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة. حمايا حسين حاول يلطف الجو بسرعة وقال: “يا طارق يا ابني اهدى بس، ملوش لزمة الكلام ده قدام الناس، دي أمك وبرضه متقصدش.”
لكن طارق مقاطعهوش، هو مشى بكل هدوء وأخد ليلى في حضنه، وبص لأمه اللي كانت واقفة مذهولة ومش مصدقة إن ابنها بيكسر بخاطرها قدام قرايبهم كلهم، وقالها: “اللي يكسر بخاطر بنتي، يبقى بيكسرني أنا شخصياً يا أمي. والبيت اللي ملوش أمان لبنتي، ملوش أمان ليا.”
حازم وسلمى، ولاده الكبار، وقفوا من على السفرة من غير ما حد يطلب منهم. حازم بص لجدته وقالها: “ليلى أختنا يا تيتة، وإحنا مش هناكل من غيرها.”
خرجنـا كلنا من البيت، وسبنالهم العزومة والتورتة والبلالين، وسبنا وراهم ندم وخزي مش هيعرفوا يداروه قدام القرايب اللي فضلو قاعدين يبصوا لبعض.
أول ما ركبنا العربية، ليلى بكت بس المرة دي كانت دموع فرحة، وهي ماسكة في إيد طارق وبتقوله: “شكراً يا بابا.” طارق دير وشه ليها وابتسم ابتسامة صافية وقالها: “كل سنة وأنا أبوكي يا قلب بابا، ويلا بينا نروح نأكل أحلى تورتة في مصر.” في اللحظة دي بس عرفت إن ربنا عوضني بـ “راجل وسند” بجد، وإن العيلة مش بالدم، العيلة بالقلوب والرحمة اللي ربنا بيقذفها في قلوب عباده.
ومن يومها، الحياة اتغيرت تماماً.
حماتي حاولت كتير تتصل وتصالح، وتكلم طارق وتقوله إنها كانت “ساعة شيطان” وإنها مكانتش تقصد، بس طارق كان واخد موقف حاسم. مكانش قاطع رحم، كان بيرد على قد السؤال ومبيمنعش ولاده الكبار يزوروا جدهم وجدّتهم، بس كان رافض تماماً إن ليلى أو أنا نعتب باب البيت ده تاني لحد ما يجي حقنا، ولحد ما أمه تعتذر لليلى بنفسها وتعرف قيمتها.
أما حازم وسلمى، فموقف أبوهم في اليوم ده علمهم درس عمرهم ما هينسوه في الأصول والرجولة. بقوا يخافوا على ليلى أكتر من الأول، والبيت بتاعنا بقى مليان دفا وحب حقيقي، مش مجرد مظاهر قدام الناس.

