صدمه حكايات صافي هاني

​أمي بدأت تصرخ وتعيط وتشد في رداء الحرير بتاعها: “دانيال! أنا أمك! مش هتعمل فينا كده عشان حتة بت حافية!”

​وقفت، ولميت الملف بتاعي وحطيته تحت دراعي، وبصيت لهم هما الاتنين لآخر مرة وقلت: “إنتوا اللي رميتوا عالمي بإيديكم.. وأنا دلوقتي جيت أسترد كل حاجة.. بالـقـانـون.”

​الباب الأمامي اتخبط بقوة، ودخلوا العساكر. وبدل ما أبويا ياخد مفاتيح بيتي، أخد في إيده الكلبشات، وخرج هو وأمي في وسط العاصفة التلجية اللي كانوا فاكرين إنهم مستخبيين منها ورا الشبابيك الدافية.

​طلعت بره البيت، ركبت عربيتي ورجعت المستشفى.. وأنا عارف إن الشمس لما تطلع الصبح، هتطلع على حياة جديدة ونضيفة ليا ولعيلتي الحقيقية.

مرت تلات شهور على الليلة دي.

​العاصفة التلجية اللي كانت هتموّت مراتي وبنتي خلصت، والشمس رجعت تنور من جديد، بس المرة دي كانت منورة حياتنا إحنا تلاتة في نفس البيت اللي أبويا وأمي افتكروا إنهم يقدروا يطردونا منه. بقرار من المحكمة العسكرية، البيت والشركة وكل الحسابات البنكية اتحجز عليها وبقت تحت وصايتي وإدارتي رسميًا، بعد ما ثبت إن كل مليم فيها كان من عرق وشقى خدمتي، وبسبب تزوير أبويا لتوقيعي.

​كلير كانت قاعدة الكنبة اللي قصاد الشباك الكبير، مغطية رجليها ببطانية دافية، ووشها رجعت له صحته والضحكة مش بتفارق شفايفها. وليلي كانت على الأرض بتلعب بـ “الدبدوب” الصغير اللي جبت هولها معايا من السفر، وضحكتها ماليّة الأوضة.

​كنت واقف في المطبخ بعملهم شاي، لما تليفوني رن. بصيت على الشاشة، كان رقم المحامي بتاعي.

​”أيوة يا متر، في جديد؟”

​صوت المحامي جه هادي ومريح: “مبروك يا سيادة الرقيب.. الحكم النهائي صدر النهاردة الصبح. ريتشارد أخد 7 سنين سجن مشدد بتهمة الاختلاس والتزوير وتبييض الأموال، وإيفلين أخدت 3 سنين بتهمة التستر والمشاركة في تزوير أوراق رسمية. طلبات الاستئناف بتاعتهم اترفضت بالدليل القاطع اللي إنت قدمته.”

​قعدت على الكرسي وأنا باخد نفسي لأول مرة من تلات شهور. “والشركة؟”

​”الشركة صُفيت تمامًا من أي ديون، والأسهم كلها بقت باسمك وباسم مدام كلير.. إنتوا دلوقتي أصحاب الملك الحقيقيين.”

​قفل الخط، وبصيت من الشباك على الممر الطويل اللي شوفت فيه مراتي بتموت من البرد. افتكرت منظر أبويا وأمي وهما خارجين في الكلبشات والعساكر حواليهم، والوجع اللي كان في قلبي اتقلب لراحة غريبة. هما افتكروا إن الفلوس والنفوذ يقدروا يسحقوا أي حد، بس نسوا إن في رب للمظلوم، وإن الحق لما بيرجع بيكسر صاحبه لو كان ظالم.

​حطيت التليفون في جيبى، وأخدت صينية الشاي ودخلت الصالون. كلير بصت لي وعينيها لمعت بدموع الفرحة لما شافت تعبير وشي، من غير ما أتكلم كلمة واحدة عرفت إن الكابوس انتهى للأبد.

​قعدت جنبها، وفردت دراعي عشان أضمها هي وبنتي لحضني، وقلت بصوت واطي ومليان ثقة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *