جوزي اتهمني بالسرقه حكايات صافي هاني

​سرحت ثواني، واقترحت عليا زينة ونوح نغير حراسة الشركة أو ناخد احتياطاتنا، بس أنا ابتسمت وهزيت رأسي وقلت لهم: “المكسور مابيرجعش، واللي باع مرة مالوش مكان وسط الناس النضيفة”.

​وبالفعل، بعد يومين بس، لقيت سكرتيرة المكتب بتبلغني إن فيه راجل عجوز، باين عليه التعب والتبهدل، واقف بره وعايز يقابلني ورافض يقول اسمه. خليتها تدخله وأنا قلبي حاسس.

​دخل دانيال.. بس ما كانش دانيال بتاع زمان. كان شخص مهدود، ظهره محني، هدومه قديمة وشعره كله أبيض. وقف قدام مكتبي وبص للأرض وهو مش قادر يحط عينه في عيني.

​قال بصوت مرعوش ومبحوح: “أنا مش جاي أطلب فلوس يا ندى.. ولا جاي أطلب الشركة.. أنا جاي أطلب السماح. السجن هدني، والندم أكل قلبي طول السنين اللي فاتت. أنا خسرت كل حاجة.. فلوسي، واسمي، والأهم.. خسرت ولادي وخسرتك”.

​بصيت له بهدوء تام، ما حسيتش بنار الانتقام ولا بالشماتة، حسيت بس بنعمة ربنا عليا إني واقفة على رجلي وهو واقف مكسور.

​وقفت وقلت له بكل حسم: “أنا سامحتك عشان نفسي، عشان مش عايزة أي حاجة تربطني بيك ولا حتى طاقة غل.. بس وجودك في حياتنا انتهى من يوم ما الكلبشات دخلت إيدك. ولادك كبروا وبقوا بني آدمين محترمين من غيرك.. اتفضل اخرج من هنا، وابدأ حياتك بعيد عننا”.

​لف ضهره وخرج وهو بيجر رجليه، والدموع في عينيه.

​بصيت من شباك مكتبي على الشمس وهي طالعة، وأخدت نفس طويل.. في اللحظة دي بس حسيت إن القضية اتقفلت بجد، مش في المحكمة، لا.. في قلبي أنا. وعرفت إن أعظم انتقام من اللي ظلمك، هو إنك تنجح وتعيش سعيد.. وهو يفضل واقف يتفرج عليك من بعيد.

بعد اليوم ده، صفحتنا مع الماضي اتقفلت تماماً وبدون رجعة. ركزت كل طاقتي في الشركة وفي ولادي، والحمد لله، ربنا عوضني عن كل لحظة كسرة عشتها.

​نوح اتخرج من الجامعة وبقى هو اللي شايل الشغل كله مكاني، وبقى يطور في الشركة بأفكار جديدة، وزينة فتحت مكتب المحاماة بتاعها وبقت من أشهر المحامين اللي بيدافعوا عن قضايا الحق والعدالة.

​وفي يوم من الأيام، كنا بنحتفل بمرور عشر سنين على براءتي، وكانت حفلة كبيرة في الشركة بحضور كل الموظفين والعملاء. وقفت في نص القاعة وبصيت لولادي وهم واقفين جنبي، وسند لبعض ورافعين راسي.

​نوح مسك المايك عشان يقول كلمة، وبصلي وقال قدام الكل: “الشركة دي مش مجرد مكان بنشتغل فيه، الشركة دي رمز للحق اللي عمره ما بيموت.. والست دي هي البطلة اللي علمتنا يعني إيه صبر ويعني إيه قوة”.

​الكل سقف بحرارة، وأنا دموعي نزلت من الفرحة.. دموع مختلفة خالص عن دموع المحكمة من سنين طويلة.

​وأنا واقفة في وسط الحفلة، بصيت لبعيد وافتكرت كل اللي فات، وحمدت ربنا من كل قلبي.. الظلم كان قاسي، بس النهاية كانت أجمل بكتير مما كنت أتخيل. عشت وشفت حقي بيرجع، وولادي بيكبروا قدام عيني وهما فخورين بأمهم.. ودي كانت أعظم جائزة وأكبر انتصار ليا في الدنيا.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *