فكرني ضعيفه حكايات صافي هاني

​واحد منهم طلع بطاقة رسمية ونطق بهدوء مستفز: “أستاذ كيرلس.. معاك مباحث الأموال العامة، ومعانا أمر ضبط وإحضار بتهمة اختلاس وتزوير حسابات الشركات.”

​ماري، أمه، وقفت وهي بتترعش واللولي بيتهز على رقبتها: “أنتم بتقولوا إيه؟ انتم مش عارفين ده ابن مين؟”

​الضابط ماردش عليها، وبصلي وهز راسه باحترام: “شكراً يا فندم على الفلاشة والملفات اللي بعتيها، لولا مجهودك وتوثيقك لكل قرش كان زمانه هربان برا البلد.”

​كيرلس بصلي وعينه كانت هتطلع من مكانها، مكنش مستوعب إن مراته الهادية، بنت القاضي، هي اللي سلمته بإيدها. قربت منه بكل برود، وشيلت الغطا من على السرفيس الأخير اللي حطيته قدامه.. مكنش فيه أكل، كان فيه قيد حديد (كلبشات) وصور من عقود الشركات المـزورة.

​همست في ودنه والابتسامة على وشي: “قلتلك مش عايزة فضايح.. بالهنا والشفا يا جوزي العزيز.”

​الضابط سحبه من إيده والكلبشات بتقفل على معصمه، وماري وقعت على الكرسي وهي بتصرخ، وأنا قعدت في مكانه، في رأس الترابيزة، وأخدت بوق من فنجان القهوة السخن وهوما بيجروه برا البيت.

 

خرجوا بيه والكلبشات في إيده، وصوت صريخ ماري مالي البيت وهي بتجري وراه ومش ملاحقة طولها. الباب اتقفل وراهم، وفجأة البيت كله رجع هادي تاني.. نفس الهدوء اللي كان في المطبخ من كام ساعة، بس المرة دي كان هدوء مريح، هدوء النصر.

​ماري لفت وبصتلي وعيونها طق شرار، وشها كان أحمر من الغل وزعقت: “أنتي يا خطافة الرجالة؟ أنتي اللي عملتي في ابني كده؟ ده أنا هوديكي في داهية، وهخليكي تلفي حوالين نفسك!”

​قمت من مكاني بكل برود، مشيت لحد عندها وأنا ساندا إيدي على السفيرة، وبصيت في عينها مباشرة وقلت لها بصوت واطي ومسموع: “ابنك الحرامي هو اللي ودى نفسه في داهية يا طنط.. والست الشاطرة زي ما قلتيلي من شوية، هي اللي تعرف إمتى تتكلم وإمتى تفصل.. وأنا اتكلمت في الوقت الصح وللناس الصح.”

​ماري ملقتش كلام تقوله، أخدت الشنطة بتاعتها وجريت ورا ابنها على القسم وهي بتعيط وتلطم.

​فضلت واقفة لوحدي في الصالة الواسعة. بصيت على الأكل وعلى ورد الماجنوليا اللي في نص الترابيزة. سحبت كرسي كيرلس اللي في رأس الترابيزة وقعدت عليه، حطيت رجل على رجل، وأخدت الفنجان وصبيت لنفسي قهوة سخنة.

​لمست شفتي الورمانة بإيدي، الوجع كان لسه موجود، بس الإحساس بالراحة كان أقوى بكتير. أصل القلم اللي ادهوني امبارح، دفع تمنه غالي أوي النهاردة.. دفع تمنه حريته واسمه وفلوسه اللي سرقها.

​طلعت الموبايل من جيبي، وبعت رسالة للمحامي بتاعي: “الملفات اتسلمت وهو اتقبض عليه خلاص.. ارفع قضية الخلع بكره الصبح.”

​قفلت الموبايل، أخدت بوق من القهوة، وبدأت آكل الفطار بتاعي في صمت.. بس المرة دي، كان صمت العظمة مش صمت الخوف.

 

فات أسبوع على اليوم ده. أسبوع كامل والمنشيتات في الجرايد ومواقع التواصل مفيش وراها غير فضيحة “كيرلس ويتمور” ورجل الأعمال المعروف اللي اتمسك في قضايا فساد وملايين متهربة.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *