بعد خروجي من السجن حكايات صافي هاني

​شفايفها اترسمت عليها نص ابتسامة.

​”كنت في السجن يا إيلاي، كنا هنعملك إيه يعني؟ نبعتلك كارت تعزية في الزنزانة؟”

​من وراها، البيت كان غريب عليا تماماً. صور جديدة، وعفش جديد. مفيش أي أثر لأبويا.. مفيش جاكيت متعلق جنب الباب، مفيش جزمه، مفيش ريحة الخشب والقهوة بتاعته.

​كأنه اتمسح من الوجود.

​وليندا كانت فرحانة ومفتخرة بده.

​قلت والرعب عمال يزيد في صدري: “أنا لازم أشوف أوضته”.

​ردت: “مفيش حاجة تتشاف.. الحكاية خلصت”.

​وبعدها قفلت الباب.

​مش برزع.

​قفلت بالراحة.. وبقصد.

​صوت التكة بتاعة القفل وهي بتقفل في مكانها وجعتني أكتر من أي بوابة سجن اتقفلت في وشي قبل كده.

​وقفت مكاني متثبت.

​أبويا مات وراحل من سنة، وأنا لسه عارف حالا زي الغريب اللي واقف على العتبة.

​برجليّ، من غير ما أحس، لقيت نفسي رايح لمدافن “أوك هيل”.

​كنت محتاج دليل.

​قبر.. شاهد.. أي حاجة.

​قريب من المدخل، كان فيه تربي عجوز ساند على المقشة بتاعته ومتابعني وأنا بقرب.

​سألني: “بتدور على حد يا ابني؟”

​قلتله: “أبويا.. توماس فانس. عايز أوصل لقبره”.

​الراجل فضل يبص في وشي ويتأملني حبة حلوين.

​وبعدها هز دماغه لورا.

​”ماتتعبش نفسك وتدور”.

​قلبي سقط في رجلي.

​”قصدك إيه؟”

​”هو مش هنا”.

​بحلقْت فيه وأنا مش قادر أخد نفسي.

​”مرات أبويا قالتلي إنه مدفون هنا!”

​الراجل رد عليا بصوت واطي: ”

 

أنا عارف ليندا قالت إيه.. بس أبوك مش في المدافن دي أصلاً”.

​وبعدها مد إيده في جيب الجاكيت وطلع ظرف قديم متبهدل.

​”هو قالي أديلك ده لو جيت في يوم تسأل عليه”.

​إيديا كانت بترعش وأنا باخده منه.

​جوه الظرف كان فيه جواب بخط إيد أبويا.

​وكارت بتاع مخزن للإيجار.

​ومفتاح نحاس.

​في اللحظة دي بالذات فهمت إن اللي مستنيني مش مجرد حزن على فراقه.. اللي مستنيني كان أسوأ بكتير.

​أبويا ماكنش سايبلي مجرد كلمة وداع.

​أبويا كان سايبلي الحقيقة.

طلعت من المدافن وأنا مش شايف قدامي. الخطوة اللي كانت تقيلة وأنا رايح، بقت سريعة ومرعوبة وأنا ماشي. ركبت أول ميكروباص قابلني، والظرف في إيدي كأنه قنبلة موقوتة.

​وصلت لعنوان المخزن اللي مكتوب في الكارت. منطقة هادية ومعزولة في أطراف البلد. وريت الكارت للأمن بره، وشاورلي على الممر اللي فيه المخزن بتاعي.

​وقفت قدام الباب الصاج الرمادي. رقم المخزن: ٢١٤.

​إيدي كانت بترعش وأنا بطلع المفتاح النحاس. دخلته في القفل، ولفيته. صوت التكة بتاعته وهي بتتفتح صدى في الممر كله. رفعت الباب الصاج لفوق، وفتحت كشاف تليفوني ودخلت.

​المكان كان مليان تراب، وفيه ريحة رطوبة قديمة. بس مكنش مخزن عادي.

​في النص كان فيه مكتب خشب قديم من بتوع زمان، وفوقيه كرتونة كبييرة مقفولة بسلوتيب عريض. مشيت خطوتين وفتحت الجواب اللي بخط إيد أبويا الأول عشان أفهم. قعدت على كرسي مكسور وابتديت أقرأ:

​”ابني الغالي إيلاي..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *