ض*ربني بالقلم حكايات صافي هاني

أنا بخرتله بنظرة سريعة، نظرة شفقة مش أكتر، ولفيت وشي وكملت طريقي وأنا ببتسم.
الدرس كان قاسي، بس طارق وإجلال اتعلموا إن اللي يمد إيده على نعمة ربنا ويفتري عليها، النعمة بتمشي وتدير ضهرها… وبتسيبهم على البلاط.
مرت سنة كاملة على اليوم اللي حياتي فيه اتغلبت رأسًا على عقب.
حياتي دلوقتي بقت هادية، ناجحة، وفيها سلام مكنتش بدوقه وأنا معاهم. شغلي كبر والشركة القابضة بتاعتي فتحت فروع جديدة، وبقيت بخصص جزء من أرباحها لدعم الستات اللي بيتعرضوا للعنف المنزلي ومعهومش تمن المحامين… عشان مفيش ست تضطر تستحمل الإهانة عشان لقمة العيش.
في يوم من الأيام، كنت معزومة في حفلة سحور كبيرة تبع رجال الأعمال وسيدات المجتمع. كنت لابسة فستان شيك ومجواهراتي البسيطة، وواقفة بتكلم مع شركائي في العمل، وفجأة لمحت حركة غريبة عند باب القاعة.
كانت إجلال.
بس مكنتش إجلال بتاعة زمان؛ وشها كان باين عليه السن والتعب، ولابسة عباية قديمة شوية ومطفي لونها، وجاية مع واحدة صاحبتها قديمة من اللي كانوا بيحضروا معاها حفلات الخير زمان، غالباً صاحبتها دي عزمتها شفقة عليها.
أول ما عيني جت في عينها، إجلال اتسمرت مكانها. المنديل الحرير اللي كانت بتطبطب بيه على عينيها الناشفة مكنش معاه، وبداله كانت ماسكة شنطة عادية ومقشرة من الجناب.
أنا مبربشتش، فضلت باصة لها بهدوء وثقة. لقيتها بتردد، وبعدين بدأت تتحرك ناحيتي بخطوات بطيئة ومكسورة، والناس اللي في الحفلة—واللي نصهم عرفوا بالفضائح والقواضي اللي حصلت زمان—بدأوا يبصوا علينا ويهمسوا.
وقفت قدامي، وعينيها كانت مليانة دموع حقيقية المرة دي، مش تمثيل.
قالت بصوت واطي ومبحوح: “فريدة… أزيك يا بنتي؟”
رديت بنبرة هادية وفيا مسافة أبعد من المريخ: “أهلاً يا إجلال هانم. الحمد لله في فضل ونعمة.”
بلعت ريقها بصعوبة وقالت: “أنا… أنا كنت عايزة أعتذر لك. الدنيا دارت بينا يا فريدة، وطارق حاله اتقلب ومبقاش لاقي شغل ثابت، وصحتنا راحت. أنا عرفت قيمتك متأخر أوي، وعرفنا إننا اتمرينا على النعمة. طارق بيموت في اليوم ميت مرة من الندم، ونفسه بس تسامحيه.”
بصيت حوليا على القاعة، على النجف الكريستال اللي بيفكرني بنجفة الفيلا، ورجعت بصيت لها وقلت بابتسامة خفيفة:
“المسامحة دي بينكم وبين ربنا يا إجلال هانم. بس أنا عمري ما هنسى إن النعمة اللي كنتوا عايشين فيها كانت بسببي، وإن القلم اللي ابنك ادهوني كان تمن خروجكم من حياتي للأبد. أنا مش شمتانة، بس ربنا عادل… وكل واحد بياخد على قد نيته ومقامه.”
سيبتها واقفة مكانها مكسورة ومبتردش، ولفيت ضهري وكملت كلامي مع ضيوفي ولا كأن حاجة حصلت.
وأنا خارجة من الحفلة بالليل، وبصيت للسما الصافية، اتنفست براحة حقيقية. اللعبة انتهت خلاص، والعدالة أخدت مجراها بالملّي. مشيت وأنا عارفة إن الصفحة دي اتقفلت، وإن اللي جاي في حياتي هو الأجمل والأقوى دايماً.

