اهلي دفعوني الايجار حكايات صافي هاني

هزيت راسي وقلت لها: “أنا مش زعلان منك يا أمي، بس أنا كمان من حقي أعيش وأأمن مستقبلي”.
في نفس اليوم بعد الظهر، لقيت كريستينا نازلة ومعاها شنط هدومها وبتعيط، وأمي ماشية وراها بتحايلها تقعد عشان خاطر العيال. كريستينا كانت واخدة الموضوع كبرياء، وقررت تروح تقعد عند واحدة صاحبتها مؤقتاً لمجرد إنها تثبت إن كلام جدي جرحها. أبويا خرج من أوضته وبصلي بنظرة لوم أخيرة كأني أنا السبب في طرد أختي، بس المرة دي، نظراته مهزتنيش ولا حركت فيا شعور بالذنب.
فات أسبوعين، والموضوع بدأ يهدى. كريستينا لقت إن قعدت البيوت عند صحابها بوجع دماغ، وعرفت قيمتنا، فرجعت البيت بس بشروط جديدة وبدأت تدور على شغل بجد عشان تساهم ولو بحاجة بسيطة. وأبويا، رغم إنه مبيكلمنيش كتير، إلا إنه مبقاش يطلب مني دولار واحد، وبدأ يعاملني بحدود واحترام للخصوصية مكنش موجود قبل كده.
أما أنا، فأول خمس تلاف جنيه (أو الـ 800 دولار) وفرتهم الشهر ده، حطيتهم في حساب توفير مقفول في البنك، وسميته “حساب البداية الجديدة”.
يوم الأحد، رحت زرت جدي في بيته، وقعدت معاه وشربنا الشاي في البلكونة. بصلي وابتسم وقال لي: “الراجل يا بيتر هو اللي يعرف يحمي حقه بأدب، والبيت اللي متبنيش على العدل، يتهد على دماغ أصحابه. اِصْنَع مستقبلك وتوكل على ربنا”.
خرجت من عنده وأنا حاسس إن حياتي أخيرًا بقت ملكي، وبقيت بشتغل وبشقى وأنا عارف إن تعبي بيروح في مكانه الصح، ولأول مرة من سنين، أمنت إن ربنا دايماً بيبعت الحق في وقته.
مرت الشهور، وحياتي بدأت تتغير فعلاً بنسبة 180 درجة. الـ 800 دولار اللي كنت بدفعهم كل أول شهر، وبيروحوا في هوا، بقوا يرجعوا في حسابي ويسندوني. لأول مرة أحس بطعم تعبي وشقايا في الغربة، وبدأت أخطط لمستقبلي بجد، وأفكر أشتري شقة مستقلة بيا قريب عشان أبدأ حياتي.
العلاقة في البيت م رجعتش زي الأول بالظبط، بس بقت أصح وأوضح. أبويا لسه فيه حتة الكبرياء، بس مبقاش يجرؤ يطلب مني مليم، وبقى يعمل حساب لكلامي. كريستينا نزلت اشتغلت في حضانة وبقت تشيل جزء من مصاريف عيالها، ومبقتش تتدلع زي الأول لأنها عرفت إن جدي عينه عليها، وإن الحنفية اللي كانت مفتوحة على بحري اتفلتت بالعدل والأصول.
وفي يوم أحد، وإحنا متجمعين كلنا في الكنيسة عشان قداس ذكرى سنوية عمي الله يرحمه، لقيت جدي داخل بهيبته ووقاره. أول ما عينه جت في عيني، ابتسم ونداملي. رحت سلمت عليه وبست إيده، فمسك كتفي ومال عليا وقال بصوت واطي عشان محدش يسمعنا: “ها يا بطل؟ طمني عليك وعلى حساب البنك؟”
ضحكت من قلبي وقلت له: “كله تمام يا جدي.. بفضلك وبفضل وقفتك معايا، بقيت حاسس إني بتبت في الأرض بجد”.
بصلي بنظرة كلها فخر وقال: “يا ابني، أنا مِش هعيش لكم العمر كله.. كان لازم أصلح المايل وأنا وسطكم، عشان لما أمشي، تفتكروا إن العدل هو اللي بيحمي العيلة، والظلم هو اللي بيخرب البيوت. ربنا يبارك فيك ويثبت خطاك”.



