حياه من ورق حكايات صافي هاني

محمود حط الكارنيه بتاعه وورق الشركة على المكتب وقال بحسم: “أنا هتكفل بالبنتين كفالة كاملة. إجراءات دور الرعاية والوصاية القانونية تخلص من هنا للصبح، المحامي بتاعي هيتابع معاكم كل خطوة. البنتين دول هيخرجوا من المستشفى على بيتي.. بيتي أنا”.
موظفة الشؤون بصتله بإنبهار: “بس يا فندم، الإجراءات بتاخد وقت، ولازم بحث حالة..”
محمود قاطعها بابتسامة وثقة: “اعملوا كل أبحاثكم، وأنا متكفل بأي ضمانات تطلبوها. بس البنات مش هيقضوا ليلة واحدة برة مكاني. ده حقهم عليا.. وحق أصحاب الأمانة”.
المحامي بدأ يكتب الإقرارات، ومحمود طلع تليفونه وكلم الشغالة اللي في البيت عنده، “أم أحمد”: “يا أم أحمد.. جهزي الأوضة الكبيرة اللي جنحي، وشوفي أي لبس أطفال يجي بسرعة، واعملي حسابك من النهار ده البيت مش هيبقى هادي تاني.. ربنا بعتلنا الروح اللي هتحيي البيت ده من جديد”.
لما رجع الطرقة، شاف أمل قاعدة جنب سرير أختها ملك، والممرضة جايبا لهم عصير وبسكوت. أمل بصت لمحمود وقالتله ببراءة: “عمو.. أنا لسه فاكرة وعدي، لما أكبر هشتغل في شركتك وأردلك فلوس المستشفى”.
محمود ضحك من قلبه.. ضحكة حقيقية مطلعش زيها من تلات سنين، وخدها في حضنه وقال: “وأنا مستنيكي يا ست أمل لما تبقي أكبر مهندسة في البلد.. بس لحد ما ده يحصل، يلا بينا عشان نروح بيتنا”.
خرج محمود من المستشفى وشايل ملك الصغيره على كتفه، وإيده التانية ماسكة إيد أمل. الشمس كانت بدأت تغيب، والجو لسه ساقعة، بس محمود مكنش حاسس بالبرد.. كان حاسس إن قلبه اللي مات من سنين، ربنا أحياه تاني بنفخة رحمة، وفي وسط زحمة القاهرة ودوشتها، عرف إن أعظم صفقة عملها في حياته.. مكنتش بمليارات، كانت يدوب.. تمن لقمة، وأمان لبنتين يتامى.
المشهد التاسع: البيت اللي دخله النور
العربية الجيب وقفت قدام العمارة الكبيرة في الزمالك. السواق فتح الباب بسرعة، ومحمود نزل وهو شايل ملك اللي نامت من التعب والدفا، وأمل نازلة وراه، لسه ماسكة في طرف جاكيته وكأنها خايفة لو سابته الحلم ده كله يتمسح وترجع للممر الضيق تاني.
أول ما الأسانسير وقف في الدور الأخير والباب اتفتح، كانت “أم أحمد” واقفة مستنياهم وباب الشقة مفتوح على آخره. أول ما شافت أمل برجلها الحافية والتراب اللي على وشها، وملك الصغيرة اللي نايمة زي الملاك بين إيدين محمود، شهقت وحطت إيدها على بقها، وعينيها دمعت: “يا حبيبي يا رب.. أهلاً بيكم يا بناتي، اتفضلوا.. اتفضلوا يا فندم، البيت نور والله”.
محمود دخل وبص حواليه.. البيت اللي كان عامل زي المقبرة من كتر الهدوم الشيك والحيطان الباردة، فجأة بقى فيه حركة.
”أم أحمد، خدي أمل براحة دخليها الحمام، وجهزوا لها لبس دافي، وأنا هحط ملك في السرير الكبير”.
ساعة زمن وكانت الدنيا اتغيرت. ملك نايمة في سرير واسع ومتغطية ببطانية ناعمة وريحتها ورد، وأمل خرجت بعد ما استحميت ولابسة بيجامة دافية، وشعرها اتسرح وبقى شكلها يبان عليه إنها بنت ناس أطهار. “أم أحمد” حطت قدامها سفرة أكل محصلتش.. شوربة دافية، وفراخ، ورز. أمل كانت بتبص للأكل بذهول، وبصت لمحمود كأنها بتستأذنه.



