حياه من ورق حكايات صافي هاني

​ثانية عدت.

​والثانية اللي بعدها.

​وفجأة.. حس بيها.

​نبضة.

​ضعيفة.. وبعيدة.. ويدوب مسموعة.

​بس موجودة!

​محمود سحب نفس طويل كأن الدنيا فتحت أبوابها تاني قدامه.

​قال وصوته بيقطع من التأثر: “هي ممتتش.. سامعاني؟ أختك لسه عايشة ومماتتش!”.

​وش البنت الصغيرة كله اتغير في ثانية.

​همست وشفايفها بتترعش: “بجد يا عمو؟ أنا افتكرتها راحت عند ربنا مع تيتة”.

​محمود مكنش محتاج يسمع كلمة تانية.

​المشهد الرابع: سباق مع الزمن

​الساعة 1:44 الظهر، طلع تليفونه بإيد بترعش وطلب مستشفى كبيرة كان متبرع لها بملايين من كام سنة. مكلمهمش بصوت رئيس مجلس الإدارة المتكبر، كلمهم بالصوت اللي “كريمة” كانت عارفاها.

​قال: “أنا محمود علوان.. عندي حالة طوارئ أطفال. طفلة صغيرة، مغمى عليها بس في نبض. احتمال جفاف شديد. جهزوا غرفة الطوارئ فوراً، أنا جايبها وجاي”.

​البنت الكبيرة حضنت أختها الصغيره أكتر، كأنها خايفة حد ياخد منها آخر حاجة فاضلالها في الدنيا.

​محمود وطى صوته وقالها: “إسمك إيه يا شاطرة؟”

​قالتله: “أمل”.

​”يا أمل، أنا هساعد أختك.. بس لازم تسيبيني أشيلها عشان نلحقها”.

​أمل بصتله وهي محتارة بين الرعب اللي جواها والأمان اللي حسته في كلامه.

​سألته بسؤال وجعله قلبه: “يعني مش هترموا أختي في الزبالة؟”

​السؤال ده كأنه ضربة س*كين في صدره.

​محمود قالها: “لا يا بنتي.. والله العظيم أبداً، عمري ما هرميها”.

​صوابع أمل بدأت تفك واحدة واحدة.

​أخد البنت الصغيرة بين إيديه، مكانش ليها وزن خالص، كأنها ريشة. نسمة هوا دافية عدت في الممر، بس جسم البنت الصغيرة كان لسه ساقع في حضنه.

​محمود وقف، ولف ناحية الشارع، وجري بسرعة مِجريهاش من سنين.

​الناس في الشارع وقفت تتفرج بذهول.. رجل الأعمال المليونير بيجري في وسط الرصيف، وجنبه طفلة حافية بتجري، وهو شايل طفلة تانية مابتتحركش. السواق أول ما شاف وش محمود، فتح باب العربية الجيب الكبيرة بسرعة وهو مخضوض: “في إيه يا فندم؟”

​محمود زعق: “على المستشفى.. بسرعة!”

​أمل ركبت وراه، وركبها كانت بتخبط في بعض من كتر الرعب والبرد. محمود قلع جاكيت البدلة ولفه حوالين كتافها. أمل مسكت في الكم جامد كأنها خايفة القماش نفسه يختفي.

​عند أول إشارة، محمود بص للبنت الصغيرة وكان بيعد كل نفس طالع منها بالعافية.

​واحد..

​سكون..

​التاني..

​الوقت بين النفس والنفس كان طويل أوي.

​أمل كانت بتبص لوش محمود كأن ملامحه هي التقرير الطبي الوحيد اللي بتفهم منه حالة أختها.

​سألته: “هي لسه معانا؟”

​محمود بلع ريقه وقال: “آه يا حبيبتي.. لسه معانا، إن شاء الله”.

​المشهد الخامس: بداية الحكاية

​الساعة 1:56 الظهر، العربية وقفت قدام باب الطوارئ. ممرضتين ودكتور أطفال كانوا مستنيين برا بسرير متحرك. الأبواب الاتوماتيك اتفتحت، وريحة المستشفى المألوفة من مطهرات وبنج ضربت في وشهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *