حياه من ورق حكايات صافي هاني

​وفجأة.. سمع الصوت ده.

​مكانش صريخ، ولا خناقة، ولا صوت من أصوات الشارع العادية اللي الناس ودنها اتعودت تطنشها.

​كان صوت شهقة عياط.

​صغيرة.. مخنوقة.. وتعبانة بتعب مش بتاع سن عيل صغير أبداً.

​كان ممكن يكمل مشي عادي، ومعظم الناس بتعمل كده فعلاً. الشوارع مليانة وجع مبيبانش في عز الظهر، والرجالة اللي لابسة جزم غالية بيبقوا شاطرين أوي في إنهم يروحوا بعيد عن الحاجات دي.

​بس في حاجة جوة محمود خليته يقف مكانها.

​يمكن غريزة، يمكن الوجع اللي جواه، ويمكن صوت “كريمة” اللي لسه عايش في حتة ضلمة جوة صدره.

​لفت ناحية الصوت ومشي وراه لحد ما وصل لممر ضيق ومظلم بين عمارتين طوب. الشمس يدوب واصلة لآخر الحيطة. الريحة كانت كرتون مبلول، وزبالة قديمة، وأسفلت سخن. كيس بلاستيك مقطوع كان بيطير مع الهوا وخبط في صندوق الزبالة ولزق فيه.

​وفي آخر الممر.. شافها.

​بنت صغيرة، مكملتش تمن سنين، قاعدة على الأرض المبهدلة وشعرها البني منكوش وملزق على قورتها. وشها كان كله خطوط تراب من أثر الدموع. الجاكيت اللي لابساه كان خفيف أوي على الجو ده، وكمامه مغطية إيديها الصغيرة. رجلها الحافية كانت متجرحة وفيها قشر ومنظرها حزين من مشي الشوارع.

​وفي حضنها.. زي ما تكون عروسة لعبة مكسورة، كانت شايلة طفلة أصغر منها.

​البنت الصغيرة دي مكنتش تكمل سنتين.

​جسمها كان باهت أوي، وشفايفها ناشفة ومشققة. جسمها الصغير كان ساكت ومبيتحركش لدرجة خلت الممر كله يحسسك بالبرد.

​صِدر محمود ضيق لدرجة إنه سند بإيده على الحيطة الطوب عشان ميعقش.

​البنت الكبيرة رفعت عينها وبصتله.

​عينيها كانت واسعة، بني، ومليانة رعب، وبس فيها عزة نفس غريبة مش بتاعة سنها خالص.

​همست وهي بتترعش: “يا عمو.. بالله عليك، ينفع تدفنلي أختي الصغيره؟ هي مصحيش النهاردة.. وساقعة أوي. أنا معاييش فلوس أعملها مدافن حلوة.. بس والله العظيم هشتغل وأردلك كل المليم لما أكبر”.

​المشهد الثالث: النبض الغائب

​لمدة ثانية كاملة، الدنيا وقفت.

​مفيش عربيات، مفيش أصوات، مفيش شارع، مفيش فلوس، ومفيش اجتماعات.

​مفضلوش غير الجملة دي بس.

​وفي حاجة جوة محمود اتكسرت.

​بص حواليه يدور على أي حد كبير. أم.. أب.. مشرف من دار رعاية.. أمين شرطة.. أي حد.

​مكانش فيه أي حد.

​الممر وبس.

​البنت وبس.

​والحمل التقيل اللي البنت فاكرة إنها شايلاه بين إيديرها.

​في وجع مبيخليكش حنين، بيخليك عاجز لحد ما يجي الوجع اللي يناديك بإسمك.

​محمود نزل على ركبه على الأسفلت المبهدل، ومفرقش معاه البدلة الغالية هيحصلها إيه. اتحرك براحة وببطء عشان البنت الصغيرة كانت خايفة أصلاً، ومد صباعينه ناحية رقبة الطفلة الصغيرة.

​جسمها كان ساقع.

​ساقع زيادة عن اللزوم.

​ضربات قلبه بدأت تعلى وتسمع في ودنه.

​”يارب.. بلاش تاني” محمود قالها في سره وهو بيدعي من قلبه.

​ضغط براحة، وهو بيدور على حاجة كان خايف يتمنى يلقاها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *