انتقام حكايات صافي هاني

قscreen تلفوني وبصيت من الشباك على النيل.. حسيت فجأة بنسمة هوا باردة، كأن روح بابا بتطبطب على كتفي وبتقولي: “جدعة يا مارينا.. طلعتي بنت أبوكي”.
حطيت إيدي على شفتي المفتوحة وابتسمت بجد.. الجرح ده هيخف، بس الدرس اللي علمتهولهم عمره ما هيتنسي.
عدت تلات شهور على اليوم ده.
الجرح اللي في شفتي لم وخف تماماً، ومبقاش باين منه غير خط صغير أبيض، بس الخط ده كان بيفكرني كل يوم بالثمن اللي دفعته عشان أقف على رجلي.
شركة “فيل تيك” أسهمها ضربت في السماء بعد ما السوق عرف إن الإدارة بقت في إيد واحدة مبترحمش ومبتخافش. عيلة ويتمور اتمسحت تماماً من السوق، والشركات التانية اللي كانت طمعانة في ورث بابا بقت بتعملي ألف حساب قبل ما تفكر تدخل معايا في أي صفقة.
في يوم، كنت قاعدة في مكتبي براجع ميزانية السنة الجديدة، ولما التليفون رن، لقيت المحامي بتاعي هو اللي بيتصل.
”أيوة يا متر، في جديد؟”
المحامي اتنهد وقال: “أيوة يا مارينا يا بنتي.. المحكمة أصدرت حكمها النهاردة على مايكل بسنتين سجن مع الشغل والنفاذ بتهمة الاعتداء والتزوير والابتزاز، وأمه أخدت سنة مع إيقاف التنفيذ نظراً لظروفها الصحية، بس البرستيج والفلوس كله طار.. هما أعلنوا إفلاسهم رسمي من ساعة زمن عشان يسددوا التعويضات اللي حكمتلك بيها المحكمة”.
سكت لثواني، ومحستش بأي تشفي، بالعكس.. حسيت براحة ونظافة، كأن قذارة واتشالت من حياتي للأبد.
قلتله: “تمام يا متر.. فلوس التعويض دي كلها تطلع بشيك لـ “مستشفى سرطان الأطفال” باسم بابا الله يرحمه.. مش عايزة يدخل جيبي قرش واحد من وراهم”.
”حاضر يا فندم، يتنفذ فوراً”.
قفل الخط، وقمت وقفت قدام الشباك الإزاز الكبير اللي بيبص على القاهرة كلها. الشمس كانت حامية ومالية المكان دفا.
مسكت السلسلة الدهب اللي فيها صورة بابا ومامتي، وبستها.. حسيت لأول مرة من سنين إني مش لوحدي، وإن القوة مش إنك متتوجعش، القوة إنك تاخد الوجع ده وتعمل منه س..لاح يحميك.
تليفوني رن تاني، وكان السكرتير بيبلغني: “باشمهندسة مارينا، وفد الشركة الألمانية وصل وقاعدين في قاعة الاجتماعات مستنيين حضرتك عشان نمضي عقد الشراكة الجديد”.
عدلت جاكيت البدلة بتاعتي، وبصيت لنفسي في المراية، وابتسمت ابتسامة كاملة.. مفيهاش أي وجع.
وقلت: “أنا جاية حالاً”.
ودخلت القاعة، وأنا عارفة ومتاكدة.. إن مارينا بقت هي الريس، وبشروطها هي بس.
فاتت سنة كاملة على كل اللي حصل.
القاهرة كانت بتبدأ يوم جديد، زحمة الشوارع وصوت الكلاكسات برة مكتبي كانوا محسسني بالحياة اللي كانت هتروح مني لمجرد إني كنت فاكرة نفسي ضعيفة. شركة “فيل تيك” مقتصرتش بس على السوق المحلي، دي بقت رقم واحد في الشرق الأوسط بعد ما مضينا عقد الشراكة مع الألمان.
كنت قاعدة في كافيه هادي على النيل في الزمالك، مستنية محامي العيلة عشان بنقفل آخر ورقة في قض..ية التعويضات والتبرعات. الجو كان منعش، وكنت لابسة فستان بسيط بلون أزرق غامق، مفيش لؤلؤ، ومفيش بهرجة.. بس فيه راحة بال تمنها ملايين.



