في قاعة المحكمه حكايات صافي هاني

العربية كانت بتتحرك بينا في شوارع القاهرة اللي بدأت أنوارها تنور مع دخول الليل. كنت ساندة رأسي على كتف أمي، الحاجة صفية، وإيدها مكلبشة في إيدي كأنها خايفة أضيع منها تاني. الإحساس بالأمان اللي كنت محرومة منه طول عمري كان غريب عليا، بس كان أحلى إحساس دوقتُه في حياتي.
العربية دخلت منطقة الزمالك، ووقفت قدام فيلا قديمة وواسعة، هيبتها تخطف العين. الشغالين والحرس كانوا واقفين صفين على الباب، وأول ما شافوا الحاجة صفية نازلة وماسكة إيدي، الزغاريط ملأت المكان والدنيا اتقلبت فرحة.
أمي دخلتني أوضة واسعة، كانت مجهزاها بكل حاجة، سرير كبير ودواليب، وفي الركن شوفت سرير نونو أبيض شيك جداً ولعب أطفال جاهزة.
بصيت لأمي والدموع في عيني: “كل ده عشاني يا ماما؟”
أمي عينيها دمعت وأخدتني في حضنها: “كل ده قليل عليكي يا قلب أمك. السرير اللي الكلب كان بيعايرك بيه ويقولك مش هتعرفي تجيبيه، أنا جبتلك وجبت لحفيدي حتة من السما. أنتي من النهاردة ست الهوانم.”
فات أسبوعين، والمحامين بتوع أمي مسبوش هاني ولا أبوه. تحقيقات النيابة كشفت المستور؛ أبوه طلع مديون بملايين ومزور ورق مصانع وشركات عشان يهرب من الضرائب، وهاني اعترف بكل الموظفين المرتشين اللي ساعدوه يزوروا أوراقي ويخفوا نسبي عشان يفضل مسيطر عليا ومخدش مليم من ورث أمي الحقيقي. المحكمة أصدرت حكم عاجل بـ سجن هاني وأبوه 7 سنين مع الشغل والنفاذ، ومصادرة كل أملاكهم لصالح الدولة سداداً للديون والضرائب.
بعد تمن شهور من التعب والخوف، جه اليوم الموعود. كنت في المستشفى الاستثماري الكبير بتاع أمي، وحواليا أكبر دكاترة في مصر. أمي كانت واقفة برا بتموت من القلق وبتدعيلي، والسبحة في إيدها مبتفارقهاش.
أول ما صوت عياط البيبي ملا الأوضة، حسيت إن كل وجع عشته في حياتي اتبخر. الدكتورة جابتهولي وحطته في حضني.. كان ولد زي القمر، وعينيه عسلية فاتحة.. نفس عيني وعين جدته.
الباب اتفتح ودخلت أمي وهي بتعيط من الفرحة، وطت على راسي باستها، وبعدين شالت الواد ودموعها نازلة على وشه: “نورت الدنيا يا حبيب جدتك.. نورت الدنيا يا يوسف.”
بصيت لأمي وابتسمت من وسط دموعي وقلت: “يوسف.. عشان ربنا يجمعنا بيه بعد غياب، وعوضنا بيه عن كل الأيام الصعبة.”
مرت الأيام، وبقيت أنا اللي بدير جزء من شركات أمي، وبقيت الدكتورة مريم صفية السيوفي، راسي مرفوعة في وسط المجتمع، وابني بيكبر في العز والأمان والتربية الصالحة. وعرفت وقتها إن اللي ربنا كاتبله العز والستر، مفيش مخلوق على الأرض يقدر يكسره أو ياخده منه، وأن الحلال والشرف هما السند الحقيقي اللي بيعيش.
عدت الشهور والسننين، ويوسف كبر وبقى راجل ملو هدومه، داخل المدرسة والكل بيحلف بأدبه وأخلاقه، وأنا بقيت الضهر والسند لأمي زي ما كانت ليا، وبقيت ماسكة إدارة مجموعة الشركات كلها، بنكبر بالحلال وبنعطف على الغلبان والمحتاج، لأننا دوّقنا طعم الحرمان وعارفين يعني إيه القهر.

