في قاعة المحكمه حكايات صافي هاني

​ولأول مرة من أول اليوم.. الضحكة الصفرا اختفت تماماً من وش هاني، ووشه بقى زي الأموات.

​ومكنتش مصدقة إن كابوس حياتي بيخلص، وحقي بيرجع قدام عيني.. يتبع

 

القاعة كلها بقت زي بيت الرعب، ومفيش صوت طالع غير نفس هاني اللي بقا يعلى ويهبط من الخوف. المستشار وهو بيقلب في الورق وشه اتقلب تماماً، وبص لهاني ونظراته كلها غضب واحتقار.

​الحاجة صفية قربت من هاني، وبكل كبرياء وهيبة وقفت قدامه وقالتله: “أنت كنت فاكرها مقطوعة من شجرة يا ابن السيوفي؟ كنت فاكر إنك لما تسرق ورقها وتخفي نسبها من وهي طفلة في الملجأ، بمساعدة النفوس الضعيفة اللي قبضت منك ومن أبوك، إنك كدة هتموت السر؟ لأ يا حبيبي.. الغايب حقه عايد، ومريم بنت صفية السيوفي، يعني نص اقتصاد البلد دي بتاعها وبتاع ابنها اللي في بطنها.”

​هاني بدأ يتهتّه ويرجع لورا: “يا حاجة صفية.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. ده أنا شيلتها في عيني.. دي مراتي وأم ابني!”

​”اخرس خالص!”.. صوت الحاجة صفية هز جدران المحكمة، وبإشارة من إيدها للمحامين بتوعها، كمل كبير المستشارين بتوعها وقال: “سيادة المستشار، إحنا مش بس بنطالب بوقف الحكم ده، إحنا بنقدم بلاغ رسمي للنيابة العامة حالاً بتهمة الخطف، والتزوير في أوراق رسمية، وحرمان أم من طفلتها من 25 سنة.. والمتهمين هما هاني وأبوه والموظفين اللي مرتشين في السجل المدني.”

​المستشار خبط بالشاكوش بكل قوة وقال: “تُحيل المحكمة القضية برمتها للنيابة العامة للتحقيق الفوري، مع التحفظ على المدعو هاني ومنعه من السفر، وإلغاء كافة الأحكام السابقة الخاصة بالتمكين والنفقة!”

​في ثانية واحدة، لقيت رجالة الأمن بتوع المحكمة داخلين وكلبشوا هاني وهو بيصرخ وبيرتعش: “يا فندم اسمعني! يا حاجة صفية أبوس إيدك بلاش أبويا.. أبويا ملوش ذنب!”.. وسحبوه برة القاعة زي الفأر المبلول وسط نظرات التشفي والذهول من كل اللي كانوا قاعدين.

​أنا كنت واقفة مكاني، مش مصدقة، الدموع نازلة من عيني زي المطر بس المردي دموع فرحة وأمان.. الأمان اللي عمري ما دوقت طعمه.

​الحاجة صفية لفت ليا، وأول ما عيني جت في عينها، أخدتني في حضنها.. حضن دافي وطويل، حسيت فيه بإن كل سنين الحرمان والتعب والملجأ اتمسحت في ثانية. كانت بتبوس رأسي وإيدي وتقولي: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا قلب أمك، بقالي 25 سنة بقلب عليكي الدنيا، والكلاب كانوا مخبينك عني.. بس خلاص، وعز جلال الله، ما في مخلوق على الأرض يقدر يمس شعرة منك تاني.. أنتي في حمايا وفي حضن أمك.”

​خرجنا من قاعة المحكمة وأنا ماسكة في إيد أمي، رافع راسي لفوق، وبطني قدامي كأني شايلة فيها العز كله. ركبنا العربية المرسيدس الكبيرة بتاعتها، وأنا حاسة إن ربنا سبحانه وتعالى عوضني عن كل صبر السنين دي، وأن ابن الملجأ بفضل الله وبكرمه بقا له ضهر وسند يهد جبال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *