الامير المشلول حكايات صافي هاني

جوه الظرف كان فيه شيك بمبلغ خيالي، يغطي مصاريف علاج “ندى” بالكامل ويفيض، ومعاه تقرير طبي قديم من المستشفى اللي بنتي محجوزة فيها.
بصيت لكريم بذهول وأنا مش فاهمة حاجة، والدموع مغرقة وشي: “إيه ده يا كريم؟ أنت تعرف بنتي منين؟ والتقرير ده بيعمل عندك إيه؟”
كريم دار وشه الناحية التانية، وخبى وشه بين إيديه وهو بيعيط بحرقة.. صوت عياطه كان بيقطع في قلبي.
قال بصوت مخنوق من كتر البُكا: “الظرف ده مش صدقة يا أم ندى.. ولا هو مجرد مساعدة.. الظرف ده تمن ذنب أنا عايش بيه بقالي شهور ومبينيمش عيني.. الحادثة اللي مات فيها أبويا وأمي، واللي شلتني وموتت ظهري.. أنا اللي كنت سايق العربية.. كنت طايش وبجري بسرعة جنونية.. والعربية اللي خبطت فيها ودمرتها.. كانت عربية بنتك ندى!”
الدنيا دارت بيا، وحسيت إن الحيطان بتلف حوليا.. الراجل اللي كنت بخدمه وبحن عليه وبحمد ربنا إنه رزقني بشغلانة عنده، هو السبب في إن بنتي بتموت في المستشفى؟!
كريم كمل كلامه وهو بيبصلي ورجاء الدنيا كله في عينه: “أنا مكنتش أعرف.. والله العظيم ما كنت أعرف! لما دورت وعرفت طريقك، وعرفت إنك بتلفي على كعوب رجليكي عشان تشتغلي وتصرفي عليها، قولت مفيش عقاب ولا تكفير عن ذنبي غير إني أشيلك وأشيلها.. الجواز ده عشان أضمن إن كل مليم يخصني يبقى من حقك قانوناً وشرعاً ومحدش من أهلي يمنعه عنك لو جرالي حاجة.. أنا مش طالب منك تسامحيني.. أنا بس طالب تديني فرصة أصلح اللي كسرته، وأكون سبب في إن ندى ترجع لحضنك تاني.”
وقفت مكان مذهولة.. بين نار أم فطر قلبي عليها السبب في عذاب بنتها، وبين مظهر الشاب العاجز اللي قدامي اللي شايل ذنب أكبر من سنه وبيترجاني أقبل حقه في التكفير عن غلطته.. وباب الأوضة المقفول ورايا كان بيفكرني إن فعلاً.. مبقاش ينفع نرجع في كلامنا خلاص.
مرت دقايق وأنا واقفة في مكاني زي الصنم، مش سامعة غير صوت ضربات قلبي وصوت شهقات كريم وهو عاجز على كرسيه. الورق كان هيقع من إيدي، وكل ملامح الوش الطيب الهادي اللي عرفته على مدار ست شهور اتبدلت في عيني.. بقيت شايفة فيه الشاب الطايش اللي سرق ضحكة بنتي ونور عينيها.
جمعت كل القوة اللي باقية فيا وصرخت فيه بصوت مكتوم مكسور: “كنت بتموتني في اليوم ميت مرة يا كريم! كنت بشوف بنتي بتموت قدام عيني وأنا مش قادرة أشتريلها علبة دوا، وأنت قاعد هنا في قصرك ووسط ملايينك؟! بأي حق؟! بأي دين؟! ده أنا كنت بدعيلك في كل صلاة وأنا مش عارفة إنك أنت اللي دمرت حياتنا!”
كريم نزل من على كرسيه غصب عنه، رمى جسمه على الأرض تحت رجليا وهو بيبكي بكا يقطع القلب، وحاول يمسك طرف عبايتي وهو بيقول: “حقك عليا.. والله العظيم حقك عليا.. اضربيني، اطرديني، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه.. بس بلاش تبصيلي البصة دي. أنا ربنا عاقبني في ساعتها وأخد مني أبويا وأمي وصحتي، وبقيت عايش ميت.. لما عرفت الحقيقة مكنتش بنام، وقولت مفيش طريق لربنا يسامحني بيه غير إني أكون تحت رجليكي وأعوضك عن كل مليم، وأرجّع ندى ليكي وربنا يشفيها.”

