تحذير الأطباء حكايات صافي هاني

​أحمد كان بيتابع من مكتبه وهو مش على بعضه. صوت الضحك واصل لآخر الممر، وصوت اللعب مالي المكان. بدأ يقلق ويسأل نفسه: هل الست دي بتهمل فيهم وبتعرضهم للخطر؟

​وفي يوم من الأيام، في وقت العصاري، شاف منظر من شباك مكتبه خلاه يتسمر في مكانه والدم يتجمد في عروقه.

​هناء كانت مخرجة الولاد الجنينة في الهوا النقي. مغرقتهمش بطبقات لبن تكتفهم ولا منعتهم من الحركة. بالعكس، وقفت الكراسي المتحركة بتاعتهم قصاد بعض ونادت عليهم بحماس: “يلا يا أبطال! شغلو المواتير وجاهزوا للاقلاع!”

​وبكل حنية وصبر، بدأت تحرك رجليهم الصغيرة في حركات دائرية مرنة بالراحة، كأنهم بيبدلو على عجلة.

​أحمد حط إيده على قلبه ومستني اللحظة اللي هيتألموا فيها، مستني الدموع والوجع وخيبة الأمل اللي تعود عليها.

​بس بدل العياط، الجنينة اتملت بضحك الولاد العالي. رجليهم الصغيرة بدأت تتحرك تاني وتستجيب مع توجيه هناء وتشجيعها، وهي بتقرأ وتسمي عليهم.

​وفجأة… وبالمعنى الحرفي للكلمة… بدأوا يزقوا نفسهم لقدام.

​أحمد كان بيبص ومش مصدق عينيه. سيف ويوسف بدأوا يتحركوا لوحدهم من غير مساعدة—في الأول سنتيمترات بسيطة، وبعدين مسافة أمتار. المستحيل اللي الدكاترة قالوا عليه كان بيتحقق قدام عينيه بقدرة ربنا.

​كل دكتور أفتى، كل تحذير اتقال، كل تقرير طبي سوداوي… مفيش مخلوق فيهم كان يتخيل إن ده ممكن يحصل.

​القصر اللي كان شبه القبر ومحكوم عليه بالحزن الساكت، بقى دلوقتي ماليان شمس، وضحك، وأمل في كرم ربنا.

​هناء ممشتش ورا الروتين الطبي الجامد اللي بيموت الروح، دي أحيت جواهم اليقين في الله وطلعت طاقة مكانش حد يتخيل إنها موجودة.

​وفي اللحظة دي، أحمد فهم الدرس وعرف: المعجزات مش دايماً بتنزل جاهزة، ساعات ربنا بيبعتلنا الأسباب اللي تخلينا نكتشفها… واللي حصل بعد كده صدم الكل ونزل عليهم زي المعجزة الكبيرة.

 

خرج أحمد من مكتبه يجري في الممرات زي المجنون، مش فارق معاه برستيج ولا اللقب اللي الناس بتناديه بيه في السوق. نزل الجنينة وهدومه متبهدلة ويدوب قادر ياخد نفسه، وقف قدام هناء والولاد والدموع مغرقة عينيه لأول مرة من سنين.

​سيف ويوسف أول ما شافوا أبوهم، صرخوا بفرحة: “بابا! بص إحنا بنسوق العجلة لوحدنا!”

​أحمد نزل على ركبه في الطين، وخد الولاد في حضنه وهو بيعيط بحرقة، وضاممهم لصدأه كأنه خايف اللحظة دي تطلع حلم ويصحى منه. هناء كانت واقفة بعيد شوية، حاطة إيدها على قلبها وبتعيط بدموع فرحة حقيقية، وبتمتم بـ “الحمد لله.. الشكر لك يا رب”.

​لما أحمد هدي شوية، بص لـ هناء وقالها وصوته بيترعش: “إزاي؟ الدكاترة قالوا الأمل مقطوع.. إنتي عملتي إيه يا هناء؟”

​هناء ابتسمت دفت قلبه وقالتله: “يا فندم، الدكاترة اتعلموا في الكتب، بس نسوا إن الشافي هو ربنا. العلاج الطبيعي والأجهزة اللي حضرتك جبتها كانت ممتازة، بس مكانش فيها روح. الولاد كانوا محتاجين يقين، محتاجين يحسوا إنهم يقدروا، مش إنهم عاجزين ومستنيين الموت. أنا كنت كل يوم بالليل، بعد ما يناموا، أدهن رجليهم بزيت زيتون دافي، وأقرا عليهم الرقية الشرعية والفاتحة بنية الشفاء، وأدعي وأقول يارب أحيي العصب ده. والصبح كنا بنلعب، بنشغل عقلهم وجسمهم بالحب والفرحة مش بالأوامر الطبية الناشفة. ربنا كبير يا فندم، ومبيخيبش ظن حد أحسن الظن بيه”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *