قبل الفرح بتلات ساعات حكايات صافي هاني

​مصطفى كان واقف زي الصنم، مش عارف يتصرف ولا عارف يغطي على مراته اللي فستانها اتمزع والناس كلها بتتفرج عليها وهي بتعيط وبتصرخ في الفندق الفخم.

​مراتي فاطمة طبطبت على إيدي وقالتلي باستغراب: “يا حبة عيني، هي العروسة مالها يا عبد الحميد؟ جرى لها إيه؟”

​بست إيد مراتي الطاهرة، الست الأصيلة اللي شقيت معايا، وقلت لها وعيني في عين ابني: “مفيش يا أم مصطفى… ربنا كبير، وكل واحد في الدنيا دي بياخد على قد نيته، واللي بيزرع شوك بيحصد جرح.”

​أخدت مراتي من إيدها وقومنا مشينا من الفرح بكل هدوء ووقار، وسبناهم يفكوا العروسة من غراء الندالة اللي طبخوه بإيديهم. من يومها، ابني مابقاش ليه مكان في بيتي ولا في شركتي… لأن البيت اللي أساسه خيانة لأقرب الناس، لازم يتهد على دماغ أصحابه.

بعد ما خرجت أنا وفاطمة من باب القاعة، الهوا البارد بتاع الليل خبط في وشنا. حسيت كأن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. فاطمة كانت لسه بتلتفت وراها، مذهولة من الصويت والوشوشة اللي مالية المكان، وقالتلي: “يا عبد الحميد، مش هينفع نمشي ونسيب ابننا في ليلته برضه، دي الناس شكلها بتتفرج عليهم جوه! تعال نشوف في إيه.”

​مسكت إيدها وحطيتها بين إيديا الاثنين وقلت لها: “يا فاطمة، ابنك اختار دنيته واختار ناسه. والي حصل جوه ده ذنبك أنتِ… ربنا أراد يخلص حقك وانتي واقفة على رجليكي وسطهم.”

​بصتلي وهي مش فاهمة حاجة، بس شافت في عيني نظرة حاسمة خلتها تسكت وتسلّم أمرها لله. ركبنا العربية، وطول الطريق وأنا باصص من الشباك، بفتكر كل طوبة بنيتها في حياتي، وكل قرش شقيت عشان أربيه بيه. افتكرت لما كان صغير ويقولي “لما أكبر هبني معاك يا بابا”، ومكنتش أعرف إنه لما يكبر أول حاجة هيهدها هي أصوله وأمه اللي جابته للدنيا.

​تاني يوم الصبح، الدنيا مقلوبة. تليفوني ميسكتش، مكالمات من قرايبنا ومن معارف الشغل، كله بيسأل عن المهزلة اللي حصلت في الفندق. الفيديو اللي شاهندة كانت بتصوره بتليفونها عشان تذل بيه أمه، السيرفرات لقطته والناس اللي واقفه صورت، وبقى “تريند” على السوشيال ميديا. العروسة اللي كانت عايزة تحافظ على “المنظر العام”، بقت فرجة ومسخرة للي يسوى واللي ميسواش، وفستانها الممزوع والكرسي لازق في ضهرها بقى على كل لسان.

​الساعة جاد حداشر الظهر، والباب خبط. فتحت، لقيت مصطفى واقف.

​وشه كان دبلان، وعينيه حمرا من قلة النوم، وبدلته الإيطالي الغالية متبهدلة. بص في الأرض وقال بصوت مكسور: “ينفع أدخل يا بابا؟”

​وقفت على الباب، سددت المدخل بجسمي وقلت له بنبرة ناشفة زي الحجر: “ملكش مكان هنا يا مصطفى. بيتي مبايدخلش فيه حد عاق لأمه.”

​رفع عينه في عيني والدموع نزلت: “أنا أسف يا بابا… أنا عارف إنك أنت اللي بدلت الكروت. شاهندة ا تبهدلت، وأهلها قالبين الدنيا وعايزين يطلقوها، والناس في الشغل بره بتبصلي بنظرات غريبة. أنا اتدمرت يا بابا، أبوس إيدك سامحني.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *