ابويا رباني لوحده حكايات صافي هاني

أبويا أخد نفس طويل، وبص للورقة اللي في إيدها، وبعدين بص في عينيها. الوجع والغضب اللي كان شايلهم جواه طول السنين دي تبخروا في لحظة وحل مكانهم نظرة شفقة وندم. قرب منها وقالها بصوت هادي وبالمصري الأصيل: “طول السنين دي كنت فاكرك بعتيني وبعتي بنتك.. مكنتش أعرف إنك كنتِ شايلة حمل يهد جبال لوحدك”.
في اللحظة دي، الحفلة والناس وكل الدوشة اللي حوالينا مكنش ليها أي وجود. أبويا خدها في حضنه، وأنا كمان قربت منهم وحضنتهم هما الاتنين. الحقيقة كانت صعبة وصادمة، بس على الأقل عرفنا إن مفيش حد فينا كان مكروه، وإن الحب هو اللي جمعنا تاني في الآخر.
بعد ما العياط هدي شوية، وبعد ما الناس في الحفلة كلها بقت تبص علينا وهما مش فاهمين حاجة، أبويا مسك إيدي وإيدها وقال: “المكان هنا مش مناسب.. يلا بينا نمشي من هنا”.
طلعنا من الحفلة ورحنا قعدنا في مكان هادي. الست اللي هي أمي—واللي لسه الكلمة غريبة على لساني—بدأت تحكي بالتفصيل. حكت إزاي أفراد من عيلتها كانوا شغالين في تجارة مشبوهة، ولما عرفوا إنها ولدت من وراهم وهي صغيرة، كانوا عايزين يتخلصوا من البيبي بأي طريقة ويبيعوها لناس برا البلد. قالت إنها فضلت ليلتين صاحية بتخطط إزاي تهرب بيا، وملقتش حد أأمن من أحمد (أبويا) عشان يشيل السر ده ويحميني، لأنها كانت عارفة رجولته وجدعنته من زمان.
أبويا قعد يسمع وهو حاطط راسه بين إيديه، الدموع نازلة من عينيه بس المرة دي دموع راحة، مش دموع قهر. بصلي وقال: “أنا عمري ما ندمت إني ربيتك يا بنتي، بس النهاردة بس حصتي ارتاحت.. كنت دايماً شايل هم اليوم اللي تسأليني فيه ‘أمي سابتني ليه؟’ وملاقيلكيش إجابة تبرد قلبك. النهاردة ربنا جابلك الإجابة لحد عندك”.
أمي بصتلي وقالت: “أنا مش طالبة منك تقوليلي يا ماما، ولا طالبة تاخديني في حضنك دلوقتي.. أنا بس جيت أقولك إني عمري ما كرهتك، وإني كنت براقبك من بعيد لبعيد كل السنين دي، وبدعي لأبوكي في كل سجدة إنه يحميكي”.
وقفت وبصيت لأبويا اللي بنى حياتي كلها طوبة طوبة، وبصيت لأمي اللي ضحت بأمومتها عشان تعيشني. ولقيت نفسي من غير ما أحس بمد إيدي ليها وبقولها: “الحمد لله إنك رجعتي.. والحمد لله إن أبويا هو أحمد”.
ابتسمت أمي والدموع مغرقة عينيها، ومسكت إيدي وضمتها جامد كأنها بتعوض الـ 18 سنة اللي فاتوا كلهم في لحظة واحدة.
أبويا وقف وحط إيده على كتفنا إحنا الاتنين وقال: “الماضي بكل وجعه وناسه خلاص مات، المهم اللي جاي. إحنا هنبدأ صفحة جديدة، ومفيش قوة في الدنيا هتبعدنا عن بعض تاني”.
رجعنا البيت يومها، ولأول مرة في حياتي، البيت مكانش ناقصه حاجة. قعدنا نتكلم للصبح، حكينا عن كل الأيام الصعبة واللحظات الحلوة، وأمي كانت بتسمع بشغف وكأنها بتشرب كل تفصيلة فاتتها من عمري.
لما بصيت على الصورة اللي متعلقة في الصالة—صورة الولد اللي عنده 17 سنة وهو مرعوب وماسكني في حفلة تخرجه—فهمت إن البدايات المكسورة مش دايماً بتعني نهايات حزينة. أبويا ضحى بشبابه عشان يديني حياة، وأمي ضحت بقلبها عشان تحمي الروح دي. والنهاردة، وأنا واقفة بشهادة تخرجي في إيدي، عرفت إن أكبر نجاح حققته في حياتي مش الشهادة دي… النجاح الحقيقي هو إني بنت البطلين دول.




