سرقوا عمري حكايات صافي هاني
تاني يوم الصبح، لبست أشيك بدلة شغل عندي، ورحت على مقر شركات (ويتلوك). المبنى كان عبارة عن برج قزاز عملاق يهدد السماء، يعكس تماماً القوة والنفوذ اللي بتتمتع بيه الست دي.
أول ما وصلت مكتب رئيس مجلس الإدارة، السكرتيرة قامت وقفت باحترام وقالتلي: “بشمهندسة بروك؟ اتفضلي، مدام مارجريت مستنياكي”.
دخلت المكتب، لقيت (مارجريت) قاعدة ورا مكتب خشب أبنوس فخم، وقدامها فنجان قهوة. أول ما شافتني، شاورتلي أقعد وقالت بابتسامتها الذكية: “كنت واثقة إنك هتيجي في الميعاد. الالتزام أول خطوة في النجاح”.
قعدت وقلت بنبرة هادية بس واثقة: “مدام مارجريت، أنا بشكرك على اللي عملتيه امبارح.. أنتي رجعتيلي حقي قدام الكل، بس أنا مش حابة أكون هنا مجرد تعاطف أو بسبب ذنب عيلتي”.
قطعتني بنظرة حادة من عينيها الرمادية وقالت: “تعاطف؟ أنا مبعرفش الكلمة دي في الشغل يا بنتي. عيلتي حاولت تظلمك، وده حقك الإنساني وأنا رجعته. لكن وجودك في المكتب ده سببه الـ (CV) بتاعك وتفوقك. أنا قريت أبحاثك في تخرجك عن معالجة التربة، وشفت تقارير كفاءتك في الشركات اللي اشتغلتِ فيها. أنا بشتري عقول، مش بطيب خاطر حد”.
فتحت درج المكتب وطلعت عقد، وحطته قدامي: “ده عقد تعيينك كمديرة قطاع الهندسة الإنشائية لمشروع البرج الجديد. المرتب والمميزات أهم بكتير من اللي كنتِ تحلمي بيه، بس المقابل.. شغل 24 ساعة ومفيش مجال للغلط. هتمضي؟”
مسكت القلم وبصيت للورق، وحسيت إن القلم ده بيمسح كل لحظة قهر عشتها وسط عيلتي اللي كانت بتقدم (سلوان) عليا في كل حاجة لمجرد إنها “الوش الحلو للبيت”. مضيت العقد وقلت: “جاهزة من دلوقتي”.
مرت ست شهور..
في الست شهور دول، حياتي اتقلبت 180 درجة. بقيت بلمع في مجالي، والكل في السوق بيتكلم عن المهندسة الشابة اللي بتدير أكبر مشروع لـ عيلة (ويتلوك). وطبعاً، خطوبة (سلوان) اتفركشت تماماً من ليلة الفرح، وعريسها وعيلته رفعوا عليهم قضية تعويض وتزوير، وبقوا منبوذين في المجتمع المخملي اللي (سلوان) كانت بتموت عشان تدخل فيه.
في يوم، كنت واقفة في موقع المشروع بتابلوه الرسم الهندسية والخوذة البيضا، لقيت تليفوني بيرن.. كانت أمي. المرة دي قررت أرد.
صوتها كان تعبان، ومبقاش فيه النبرة الحادة والغرور بتوع زمان. قالتلي بصوت مخنوق: “بروك.. أختك مدمرة، ومفيش شركة راضية تقبلها، وأبوكي مريض من الصدمة والفضيحة اللي لفت البلد.. إحنا عايشين في ضلمة يا بنتي، وأنتي الوحيدة اللي تقدري تساعدينا بفلوسك ونفوذك الجديد.. إحنا أهلك مهما حصل”.
أخدت نفس طويل، وبصيت للبرج الحقيقي اللي أنا ببني فيه بإيدي وعرقي، وافتكرت ليلة الفرح لما سابوني ورا العمود الرخام وقالتلي “اقبلي الأمر الواقع ومتبوظيش ليلة أختك”.
رديت عليها بكل برود وهدوء: “يا أمي.. أنا حالياً مشغولة جداً براجع أساسات برج خرساني، ومفيش في وقتي دقيقة واحدة أضيعها على قصص مش حقيقية. زي ما قلتوا لي زمان.. ده الأمر الواقع، فـ اقبلوه.. ومتبوظوش ليلتي”.

