سرقوا عمري حكايات صافي هاني

​قفلت السكة، وحطيت التليفون في جيبي، وكنت مبتسمة وأنا بصرخ في العمال: “يلا يا رجالة.. صب الخرسانة يبدأ حالاً”.

 

بعد سنة كاملة من اليوم ده، انفتحت أبواب البرج الجديد رسمياً.

​كانت ليلة افتتاح أسطورية، كل رجال الأعمال والمهندسين الكبار في البلد كانوا موجودين. أضواء الليزر مغطية واجهة البرج القزاز، واسمي “المهندسة بروك” كان منور على شاشات العرض كمديرة ومصممة المشروع الإنشائي بالكامل.

​كنت واقفة وسط الوفود والمهندسين وأنا لابسة فستان سواريه لونه أسود ملكي، مفيش أي وجه مقارنة بيني وبين البنت الانطوائية اللي كانت لابسة برتقالي وواقفة تعيط ورا العمود من سنة.

​(مارجريت ويتلوك) جت وقفت جنبي، كانت لسة بكامل هيبتها وعكازها ذو المقبض اللولي. بصت للبرج وبصتلي وقالت بنبرة فخر حقيقية: “أنا عمري ما راهنت على حصان وخسر يا بروك. أنتي مش بس بنيتي برج.. أنتي بنيتي اسمك بحروف من دهب في السوق”.

​ابتسمت لها وقلت: “الفضل يرجع لثقتك فيا يا مدام مارجريت”.

​قالتلي وهي بتغمز بعينها: “الفضل يرجع لعقلك وتعبك.. العيلة اللي تفرط في جوهرة زيك عشان تشتري مظهر كداب، متستاهلش حتى الندم”.

​وأحنا بنتكلم، لمحت من بعيد حركة غريبة عند بوابة الأمن الخارجية. الأمن كان بيمنع ناس يدخلوا. ركزت في وشوشهم.. كانت أمي و(سلوان).

​(سلوان) كان باين عليها التعب والبهدلة، ومبقاش فيها أي أثر للبنت الـ (High class) الشايفة نفسها، وأمي كانت واقفة بتتحايل على الأمن ويورولهم دعوة قديمة أو بيحاولوا يستعطفوهم باسمي.

​شاورت للأمن يسيبوهم يدخلوا. مش شفقة، ولا حنين.. بس كنت عاوزاهم يشوفوا الحقيقة كاملة.

​أمي أول ما شافتني جاية ناحيتهم، عينيها لمعت بدموع ورجاء، وجريت عليا وقالت: “بروك! يا بنتي أخيرًا عرفنا نوصلك.. أختك حالتها بتسوء كل يوم، ومحدش راضي يشغلها، والديون كترت علينا بعد القضايا اللي خسرناها مع عيلة ويتلوك.. أنتي لازم تشغليها معاكي هنا في الشركة، حتى لو سكرتيرة في مكتبك.. أنقذينا يا بروك”.

​(سلوان) كانت واقفة باصة للأرض، مكسورة تماماً، ومقدرتش حتى ترفع عينها في عيني. الوشوش اتقلبت، والأدوار اتبدلت.

​بصيت لأمي، وبعدين بصيت لـ (سلوان) وقلت بكل هدوء وثبات: “الشركة هنا مبتقبلش غير الكفاءات، والشهادات الحقيقية.. وأظن إحنا جربنا قبل كدة القصة دي وطلعت فاشلة”.

​أمي قالت بصوت بيترعش: “يعني هتونسي أهلك يا بروك؟ هتسيبنا للناس تاكل وشنا؟”

​رديت عليها وأنا بعدل الخاتم في إيدي، وببص لمعالم البرج اللي ورايا: “أنا مسيبتكمش.. أنتوا اللي سبتوني زمان ورا العمود الرخام، وبعتوني عشان تشتروا قصة وهمية. أنا دلوقتي مشغولة بنجاحي وبمستقبلي.. زي ما سبتكم زمان تعيشوا اللحظة بتاعتكم.. سيبوني أنا كمان أعيش حياتي”.

​ناديت على الأمن وقلت لهم باحترام: “اتفضلوا وصلوا السيدات للبوابة الخارجية.. عشان وقت الحفلة والتكريم بتاعي بدأ”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *