بعت رساله لجروب العيله حكايات صافي هاني

​أخرجت من جيبي “فلاشة” صغيرة ووضعتها في يد ريتشارد المرتجفة. “هذه نسخة احتياطية. النسخة الأصلية أرسلتها بالفعل إلى المدعي العام، وإلى مجلس إدارة الشركة، وإلى ‘بابا’.. فقط ليعرف كيف يختار أبطاله المفضلين في العائلة.”

​انهار ريتشارد على درجات سلم المنزل، بينما اتسعت عينا فانيسا برعب لم تره في حياتها. في تلك اللحظة، رن هاتفي مرة أخرى. كانت رسالة من “أمي”. لم أفتحها، وضعت الهاتف في جيبي، ونظرت إليهما:

​”الهدية وصلت؟ استمتعوا بليلتكم الأخيرة في هذا البيت.. لأنكم في الصباح، لن تملكوا حتى المفتاح.”

​أغلقت الباب في وجوههم، وعدت إلى داخل البيت، حيث كان الهدوء يعم المكان.. هدوء يشبه تماماً هدوء العاصفة التي قضيت عمري أتعلم كيف أطلقها في اللحظة المناسبة

أغلقتُ الباب، وسندتُ ظهري عليه لثوانٍ. كان قلبي ينبض بقوة، ليس خوفاً، بل من أثر الأدرينالين الذي تدفق في عروقي بعد كل تلك السنوات من الكبت والتحمل. لأول مرة منذ زمن طويل، شعرتُ بالخفة. شعرتُ أن الثقل الذي كان جاثماً على صدري قد انزاح تماماً.

​التفتُّ لأصعد إلى غرفتي، لكنني وجدتها واقفة في نهاية الممر. بنتي الصغيرة، ياسمين، كانت ممسكة بدميتها وتفرك عينيها بنعاس.

“ماما؟ في إيه؟ مين كان على الباب؟”

​اقتربتُ منها بسرعة، وجلستُ على ركبتي لأكون في مستواها. مَسحتُ على شعرها وابتسمتُ بابتسامة حقيقية ودافئة: “مفيش حاجة يا حبيبتي، ده بس عمو ريتشارد وخالتو فانيسا كانوا جايين يرجعوا حاجة نسيوها. يلا يا روحي على السرير عشان نلحق ننام.”

​”هما لسه زعلانين مننا؟” سألتني ببراءة قطّعت قلبي.

​”لأ يا قلبي.. هما مش زعلانين مننا. هما بس مشغولين في مشاكلهم الخاصة. من هنا ورايح، إحنا مش هنروح هناك تاني، وهنقضي كل أعيادنا سوا، أنا وأنتِ وأخوكي.. وهتكون أحلى بكتير، ماشي؟”

​هزت رأسها بالموافقة والتمعت عيناها بالفرحة، ثم عادت لغرفتها.

​الصباح التالي: زلزال في العائلة

​في تمام الساعة السابعة صباحاً، استيقظتُ قبل المنبه. صنعتُ لنفسي كوباً من القهوة الساخنة، وجلستُ في المطبخ أتابع شاشات المراقبة وجهازي المحمول. الرسائل على جروب العيلة كانت قد توقفت تماماً بعد صمت مطبق ساد طوال الليل، لكن هاتفي الشخصي بدأ يرن مجدداً.

​هذه المرة، كان المتصل هو أبي.

​ضغطتُ على زر الرد، ووضعت الهاتف على مكبر الصوت: “صباح الخير يا بابا.”

​جاءني صوته عجوزاً، مكسوراً، ومذعوراً عكس صوته المتغطرس بالأمس: “إيلينا.. إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟ ريتشارد مقبوض عليه من الفجر! الشرطة جت البيت وفتشته قدام الجيران وفانيسا منهارة.. أنتِ هديتي المعبد على دماغ الكل عشان شوية لعب وعيد ميلاد؟”

​أخذتُ رشفة من قهوتي وقلت ببرود تام:

​”أنا مهدتش حاجة يا بابا. ريتشارد هو اللي بنى بيته من قش، وأول ريح طيرته. أنا حذرتكم كذا مرة بطرق غير مباشرة إن ريتشارد مش مظبوط، بس أنتم كنتوا عميان بالفلوس والمنظرة. كنتوا مستعدين تدوسوا عليا وعلى عيالي بس عشان تحسوا إنكم أحسن مننا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *