جوزي طلب الطلاق حكايات صافي هاني

​الكلام كان مسموم، ومقصود بيه يفكرني بـ “العقم” أو الحلم اللي مجاش.

​قبل ما أرد عليها.. المزيكا الهادية في القاعة وقفت، والأنوار ركزت على الباب الرئيسي.

​الباب اتفتح، ودخلت منى، صاحبة عمري وشريكتي في الشغل.. وهي ماسكة في إيدها طفلة صغيرة.

​الطفلة كانت لابسة فستان أبيض منفوش زي الأميرات، وشعرها الكيرلي الناعم متسرح بفيونكة رقيقة. كانت بتبص حواليها بعيون واسعة، مليانة براءة وشقاوة.. عيون أول ما تشوفها، تعرف فوراً عيون مين.

​دي عيون كريم. نفس الرسمة، نفس اللون، ونفس اللمعة.

​البنت الصغيرة لمت فستانها بإيدها، وأول ما شافتني من بعيد، سابت إيد منى وجريت في وسط القاعة وهي بتضحك بصوت عالي رن في المكان كله: “مامي!.. مامي!”

​القاعة كلها سكتت، والأنظار كلها اتوجهت للبنت الصغيرة وهي بتجري وبتخبط برجلين طفولية على الأرض.

​أنا نزلت على ركبي، وفتحت دراعاتي للآخر. البنت رمت نفسها في حِضني، فرفعتها لفوق وبستها من خدها.

​”تأخرتي ليه يا قلب مامي؟” همست لها وأنا بعدل شعرها.

​لما وقفت وتلفتت.. لقيت الزمن وقف في القاعة.

​كريم كان واقف زي الصنم. وشه بقى أبيض كأنه كفن. عينه كانت بتتحرك بذهول ورعب بيني وبين البنت. كان بيبص لملامحها، لضحكتها، لإيدها الصغيرة اللي ماسكة في رقبتي.. كأنه بيشوف روحه في مراية.

​سارة، الضحكة الصفرا اتمست من على وشها تماماً. عينيها وسعت من الصدمة، وبصت لكريم وهي شايفة الانهيار الكامل في عينه. في اللحظة دي، سارة فهمت كل حاجة. فهمت إن الست اللي كانت فاكرة إنها هزمتها وأخدت جوز منها، سابت له “القشرة” وأخدت هي “المعجزة”.

​سارة شافت بعينها الحلم اللي كريم عاش عمره يتمناه.. وهو بيكبر ويضحك في حِضن ست تانية، وبيتلقب باسم أم تانية.. من غير ما يكون له فيه أي حق.

​كريم خد خطوة مهزوزة ناحيتي، وشفايفه بترتعش وهو مش قادر ينطق: “هنا.. دي.. دي مين؟”

​بصيت له بكل قوة، وطبطبت على ضهر بنتي اللي كانت باصة له ببراءة وفضول.

​ابتسمت نفس الابتسامة الباردة بتاعت ليلتنا الأخيرة، وقولت له بصوت مسموع وواضح:

​”دي (نور).. المعجزة اللي وصلت بعد ما أنت مشيت يا كريم.. نور، سلمي على عمو كريم وطنط سارة”. كريم حس كأن حد ضربه برصاصة في صدره. رجع خطوة لورا، وعينه لفت في المكان وكأن السقف بيقع عليه. شفايفه اتململت، حاول ينطق، حاول يقول “بنتي”، بس الكلمة وقفت في زوره زي حتة قزاز مكسور.

​سارة في اللحظة دي اتجننت. بصت لكريم اللي وشه اتقلب ميت، وبصت لنور اللي كانت بتلعب بأسورة في إيدي بكل براءة.. فهمت إن كل السنين اللي عاشت تخطط لها عشان تاخده، وكل الألاعيب اللي عملتها عشان تطردني من حياته، طارت في الهوا. هي أخدت راجل مفرغ من جوه، راجل ملوش مستقبل، وأنا أخدت الحكاية كلها.

​”هنا.. أنتي بتتكلمي جد؟” صوت كريم طلع مشروخ، دمعة هربت من عينه ولمعت تحت إضاءة القاعة. “دي.. دي بنتي؟ أنتي كنتي..؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *