طردت امي حكايات صافي هاني

​مشيت ناحية الباب وأنا ماسكة أكياسي. كريم ساب اللي في إيده وطلع ورايا في المطر.

“أمي… كلارا… أرجوكي استني.”

​وقفت وبصيت له. المرة دي مكنش فيه لا غضب ولا عتاب في عيني، كان فيه مجرد نظرة لواحد غريب بشوفه في الشارع.

​وقف قدامي والمطر بينزل على وشه، وقال وهو بيبكي: “أنا بشتغل هنا بقالي ست شهور… جيت إسكندرية عشان أهرب من ديوني في القاهرة. بشتغل شغلانتين عشان أعرف أدفع إيجار أوضة تحت السلم وأسدد وصال الأمانة اللي عليا. أنا اتدمرت يا أمي… شيرين دمرتني وأهلها رموني، والدنيا ورتني نجوم الظهر. عرفت قيمتك… عرفت إن الست الوحيدة اللي حبتني من غير شروط ومن غير تمن كانت أنتِ. أنا مش طالب منك فلوس، ولا طالب أعيش معاكي… أنا بس عايزك تدعيلي، عايز أسمع كلمة ‘يا ابني’ منك تاني. لو سمحتِ يا أمي… قوليلي إني مسموح لي أكلمك.”

​بصيت للراجل اللي واقف قدامي بيمطر. افتكرت البنت اللي كانت واقفة على باب فرحه وهي بتقولي: “مش مسموح لك بالدخول”. وافتكرت هو وهو واقف يتفرج عليا وكأني حشرة بوظت منظره.

​أخدت نفس طويل، وهديت خالص.

وقلت له بنبرة كلها راحة: “يا كريم… أنا مسامحاك. مسامحاك من كل قلبي عشان مش عايزة أقابل ربنا وفي قلبي ذرة وجع من حد. بس السماح حاجة… والرجوع حاجة تانية خالص.”

​دموعه نزلت أكتر: “يعني إيه؟”

​قلت له: “يعني أنا قفلت الدفتر ده ورميته في البحر. أنت دلوقتي بتدفع تمن اختياراتك، والوجع اللي بتمر بيه هو اللي هيصنع منك راجل بجد، راجل يعتمد على نفسه وميبيعش اللي صانوه. كمل طريقك، اشتغل واقفل ديونك وابني نفسك من غير ما تستني حد يشيلك. ربنا يعينك ويهديلك حالك.”

​سألني بصوت مكسور: “مش هشوفك تاني؟”

​ابتسمت له ابتسامة هادية ودافية، وقلت له: “أنا سبتك تلات سنين في الملجأ بتعيط لحد ما أخدتك في حضني وسميتك ابني… وأنت سبتني بره قاعة فرحك في المطر ومستخسر فيا الكلمة. الحساب كده خلاص خلص يا كريم… ومبقاش فيه بينا باقي.”

​التفت ومشيت في طريقي، مظلتي فوق راسي، وخطواتي ثابتة على الرصيف. مالتفتش ورايا ولا مرة. عرفت إن الدرس انتهى، وإنه أخيراً فهم إن الأمومة مش شيك على بياض، والأيام دارت وخلته يدوق من نفس الكأس.

​رجعت بيتي، غيرت هدومي، وعملت كوباية شاي سخنة. قعدت في البلكونة وبصيت للبحر وهو هايج مع المطر، وحسيت براحة تامة. أنا عملت بأصلي، وربيت، وسامحت… والنهاردة، أنا ملك نفسي وبس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *