طردت امي حكايات صافي هاني

​الناس اللي تليق وتناسب…

أنا، الست اللي شيلته من الملجأ والبهدلة، مبقتش أليق بفرحه!

​افتكرت أول مرة شيرين هانتني فيها في مطبخي، لما داقت الشوربة اللي عاملاها بإيدي، ولت بوزها وقالت إنها مش فاهمة كريم كبر إزاي وهو بياكل “أكل المستشفيات الحزين ده”.

يومها وقفت مستنية ابني يرد عليها.

لكنه كمل أكله ولا كأنه سامع.

​وبعدها بدأت التلقيحات على لبسي، وسني، ومكالماتي، وزياراتي، وبيتي الصغير، وطريقتي في الكلام، وسيارتي القديمة.

كانت شيرين بتقوله: “أمك خانقة وخيرها كتير، الست اللي في السبعينات دي المفروض تشوف لها حياة تانية بدل ما هي لازقة في ابنها الراجل كده.”

وكريم كان بيهز رأسه بالموافقة.

​حتى لما خطبوا، كنت آخر من يعلم.

روحت عشاء عادي على أساس بنحتفل بعيد ميلاد كريم، لاتفت شيرين رافعة إيدها بالخاتم الألماظ قدام أهلها، وكلهم بيصرخوا: “مفاجأة!”

يومها ابتسمت معاهم.

بس من جوايا، فهمت.

فهمت إنهم بدأوا يمسحوني من الصورة من بدري.

​كريم قال لي بعد كام أسبوع: “هيبقى فرح صغير يا أمي، يدوبك القرايب من الدرجة الأولى بس.”

وكنت فاكرة إن الأم قرايب درجة أولى!

​بعد الظهر ده، وأنا واقفة بره الفرح، فهمت أخيراً إنني بالنسبة لكريم كنت مجرد وسيلة؛ بنفع بس لما أدفع، ولما أحل مشاكل، ولما أسكت، ولما أسيبه يتظاهر قدام الناس إنه بنى نفسه بنفسه ومن غير فضل من حد.

​كان ممكن أعيط.

كان ممكن أترجاه.

كان ممكن أفكره بكل ليلة سخونية، وبكل قسط مصاريف دفعته، وبكل وقفة جنب سريره في المستشفى، وبكل مرة نمت فيها جعانة عشان ميعيشش عيشة ليلة ويحس بالفقر.

​بس فيه حاجة جوايا فجأة جمدت… وهديت خالص.

 

مشيت من هناك، ركبت عربيتي القديمة الكركوبة وأنا حاسة ببرود غريب مالي جسمي. دموعي مانزلتش، الوجع كان تقيل لدرجة إنه شل حركتي، بس عقلي كان صاحي وبيفكر لأول مرة بشكل صح.

​لما رجعت البيت الصغير، قعدت على الكنبة وبصيت حواليا. كل ركن في الشقة كان فيه حتة من كريم. صورته وهو لابس مريلة الحضانة، شهادات تقديره في المدرسة، الميدالية اللي جابها في النادي… كل حاجة.

​دخلت أوضته، وطلعت الشنط الكبيرة اللي مخبياها فوق الدولاب. وبكل هدوء، من غير عصبية ولا عياط، بدأت ألم كل حاجة تخصه. لبسه القديم، كتبه، ألعابه اللي شلتها من وهو صغير… كل ذكرياته جمعتها في الشنط دي.

​وبعدين، فتحت الموبايل ودخلت على حساب البنك بتاعي. أنا كنت لسه بساعده في أقساط شقته الجديدة وبدفع له تأمين عربيته من معاشي الصغير عشان “ميزنُقش نفسه”. في نفس اللحظة، لغيت كل التحويلات البنكية دي، وعملت بلوك لرقم تليفونه، ورقم شيرين، ورقم مامتها.

​نزلت الشنط دي كلها في ركن في الصالة، وبصيت للظرف اللي كان في إيدي والجواب اللي كتبتهوله عشان يوم فرحه. قطعت الجواب حتت صغيرة ورميته في الزبالة. الأم اللي كانت بتتحايل على الرضا راحت، والست اللي واقفة دلوقتي مش ندمانة على حبها، بس ندمانة على إنها عاشت عشان شخص ميسواش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *