اهل جوزي ماسالوش عليا وانا في المستشفى حكايات صافي هاني

بعد ما عدي شهر كامل على اليوم ده، كنت قاعدة في شقتي الجديدة الصغيره الهادية، بمسك كوباية الشاي وببص من الشباك على الشمس وهي طالعة. لأول مرة من سنين أحس بسلام حقيقي، ومفيش حد بيمريني ولا بيؤمرني، ولا حد بيسمعني كلمة تجرحني.
​صحتي بدأت ترد فيا، والجرح اللي في جسمي لم، وجرح قلبي كمان بدأ يخف واحدة واحدة.
​تليفوني رن، بصيت لقيت المحامي بتاعي. ردت عليه، جالي صوته وهو بيقولي: “مبروك يا مدام مايا، ورقة طلاقك طلعت رسمي انهارده، وكل حقوقك والمؤخر بتاعك نزلوا في حسابك في البنك زي ما طلبتي بالمليم”.
​قفل السكة، وأنا أخدت نفس طويل وحسيت بوزن جبل انشال من على صدري. في نفس اللحظة، جالي مسج من رقم غريب، فتحتها لقيتها من ليو.
​كان كاتبلي فيها: “مايا.. أنا مش ببعت عشان أضايقك، أنا بس كنت عاوزك تعرفي إن ورقتك وصلتلك. أنا نفذتلك رغبتك لأن ده أقل حق ليكي عليا بعد كل اللي شوفتيه بسببي وبسبب غفلتي. أنا بعت الفيلا الكبيرة دي لأنها بقت بتخنقني، وكل ركن فيها بيفكرني بظلمي ليكي. أمه وأخته عايشين دلوقتي في إيجار يدوب على قد اللقمة بعد ما قطعت عنهم كل الدعم، وكل واحدة فيهم بتلوم التانية على الفقر اللي بقوا فيه. أنا خسرتك وخسرت نفسي، بس أتمنى من قلبي إنك تكوني سعيدة وبتتعافي.. أنا أسف لآخر يوم في عمري”.
​قريت الكلام، ومتهزتش. مسحت الرسالة، وعملت بلوك للرقم. الماضي ده اتقفلت صفحته تماماً ومبقاش يعنيلي أي حاجة، ولا حتى الشماتة فيهم بقت تشغلني.
​نزلت من الشقة ورحت الشغل الجديد اللي بدأته، نزلت وأنا راسي مرفوعة، وخطوتي ثابتة في الأرض. القصة بتاعتي مكنتش قصة ضحية استسلمت، دي كانت قصة ست قررت تقف على رجلها وتنهي المهزلة في الوقت المناسب.
​ومن اليوم ده، عاهدت نفسي إن مفيش مخلوق هييجي عليا تاني، وإن حياتي الجاية هعيشها لنفسي، وبس.
ومرت السنين، واشتغلت على نفسي أكتر، والشركة الصغيرة اللي بدأتها كبرت وبقى ليا اسمي ومكاني في السوق. مبقتش مايا الضعيفة المكسورة، بقيت سيدة أعمال ناجحة وكل الناس بتعملها ألف حساب.
​وفي يوم، كنت معزومة في حفلة شغل كبيرة تابعة لرجال الأعمال. وأنا واقفة وواثقة من نفسي وبتكلم مع العملاء، لفت نظري واحدة من الويترز اللي بيوزعوا المشروبات على التربيزات. كانت متبهدلة، شكلها أكبر من سنها بعشر سنين، ووشها مليان هم وتعب.
​قربت منها عشان أخد كاس عصير، ولما عيني جت في عينها.. اتجمدت مكاني من الصدمة.
​دي كانت كلوي! أخت ليو!
​البرنسيسة اللي كانت بتقعد على الكنبة القطيفة وتتريق عليا وتتهمني بالتمثيل، بقت واقفة بتخدم على الناس في الحفلات عشان تلاقي لقمة عيش!
​كلوي أول ما عرفتني، الكاسات اتهزت في إيدها وكانت هتقع من الرعب والكسوف. صغرت جداً قدام عيني، وبقت تبص للأرض وهي بتترعش ومش عارفة تودى وشها فين من الخزي.
​بصيت لها بمنتهى الهدوء، أخدت من إيدها الكاس، وطلعت من الشنطة “بقشيش” محترم وحطيته في إيدها، وقلت لها بصوت واطي ومبتسم: “شدي حيلك يا كلوي.. الشغل مش عيب، العيب إن الواحد يعيش عالة على قفا غيره وهو مش حاسس”.
​سبتها واقفة دموعها في عينها، ومشيت وأنا حاسة بانتصار حقيقي. مش شماتة، لاء.. ده كان عدل ربنا اللي دارت الأيام وورتهوني رأي العين.
​الحكاية مخلصتش لما خرجت من باب الفيلا، الحكاية خلصت انهارده لما الدنيا حطت كل واحد في حجمه الطبيعي. الضحية بقت فوق، واللي افتروا بقوا تحت. ودي كانت أحلى وأجمل نهاية لقصتي.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *