اهل جوزي ماسالوش عليا وانا في المستشفى حكايات صافي هاني
باقي العيلة اتجمدت في مكانها، والصدمة لجمت لسانهم. ليو خطى خطوة واسعة وطلع من الضلمة، وشه كان قالع منه الدم وعينيه بتبخ شرار من كتر الغل. شنطة سفره وقعت من إيده على الأرض وضربت دبة عالية هزت الصالة كلها.
كلوي لقمة البيتزا وقفت في زورها، وبقت تبص لـ ليو وهي مبرقة ومش قادرة تنطق بحرف. أما حماتي، “أجنيس”، فـ الطاووس اللي جواها مات في ثانية، وبقت تنقل عينيها برعب بين الفازة الأثرية المتدغدغة على الأرض وبين ابنها اللي بيترعش من الغضب.
ليو بصلهم بنظرة قرف، وقال بصوت مكتوم ومرعب: “أنا اللي كنت بتطحن برة عشان أأكلكم وأشربكم وأعيشكم في قصر.. كنت فاكر إني سايب مراتي وسط أهلي، مكنتش أعرف إني سايبها وسط شوية تعابين”.
أجنيس حاولت تلم الموضوع بسرعة وجريت عليه وهي بتتلجلج: “يا ليو يا حبيبي افهم.. دي.. دي هي اللي كانت بتستفزنا، وهي اللي كسرت الفازة الغالية بتاعتك دي عشان تتبلى علينا!”.
ليو صرخ فيها بصوت زلزل الحيطان: “بسسس! ولا كلمة! أنا واقف سامع وشايف كل حاجة من أول ما دخلت من الباب! شفتك وإنتي بتحدفي الطاسة في وشها، وسمعت كلوي وهي بتتفلسف ومأنتخة على الكنبة!”.
التفت ليو ناحيتي، ولأول مرة أشوف في عينيه نظرة ندم وكسرة بالبشاعة دي. قرب مني براحة وهو بيمد إيده يلمس كتفي، وصوته اتهز: “مايا.. أنا أسف.. أنا أسف إني سيبتك ليهم”.
أنا بعدت خطوة لورا وشلت إيده عني وبصيتله بمنتهى الجمود: “الأسف مش هيصلح الحمل اللي انفجر وأنا بموت لوحدي على الأرض، ولا هيشيل الوجع اللي عشته. أنا طالعة ألم هدومي، وورقة طلاقي توصلني في أسرع وقت”.
سبتهم كلهم واقفين زي التماثيل، وطلعت السلم وأنا حاسة لأول مرة إني خفيفة، وإني أخدت حقي تالت ومتلت من غير ما أرفع إيدي عليهم.. سيبت ليو يهد المعبد على دماغ أمه وأخته، والمرة دي، مكنش فيه حد هينقذهم من غضبه.
ودخلت أوضتي، بدأت ألم كل حاجتي في الشنط وأنا سامعة صوت ليو تحت وهو قالب الدنيا. صوته كان جايب آخر الشارع، بيزعق لدرجة إن حباله الصوتية كانت هتتقطع. كان بيطرد أمه وأخته برة الفيلا حالا، وبيلغي كل الفيز والكروت اللي معاهم.
أجنيس كانت بتعيط وتصوت وتترجاه: “يا ليو دي أمك! هتطرد أمك في الشارع عشان حتة حتة خدامة؟!”
رد عليها بصوت زي الرعد: “الخدامة دي مراتي اللي شالت قرفكم! ومبقاش ليا أم ولا أخت من الساعة دي.. غوروا من وشي ومحلمش أشوف وشكم في أي مكان يخصني تاني!”
كلوي كانت بتصرخ وهي بتلم شنط البراندات بتاعتها اللي ليو كان شاريها ليها من فلوسه، وبتقول لأمها: “شايفة؟ أهو طردنا عشانها! كله بسبب غبائك!”
في خلال نص ساعة، البيت كله هدي تماماً، ومبقاش فيه غير صوت سكوت مرعب.
نزلت بشنطي وأنا سانده على السور بالعافية، لقيت ليو قاعد على الركبة وسط الصالة، حاطط راسه بين إيديه وبيعيط بحرقة.. الراجل اللي كان دايماً قوي ومش بيهزه ريح، مكسور كسر ملوش علاج.
أول ما سمع صوت خطواتي، رفع راسه وبصلي بعيون حمرا ومليانة دموع، وقالي بصوت مبحوح: “مايا.. أرجوكي.. أنا طردتهم برة حياتنا للأبد.. البيت ده بيتك إنتي، أنا مستعد أعمل أي حاجة بس سامحيني.. أنا مكنتش أعرف والله ما كنت أعرف”.
بصيتله وأنا قلبي ميت، مبقاش جواه أي مشاعر ناحيته، لا كره ولا حب.. مفيش غير فضى تام.
قلتله وأنا بجر شنطتي ناحية الباب: “عارفة إنك مكنتش تعرف يا ليو.. بس الغفلة دي دفعت أنا ثمنها من صحتي ومن دموعي. إنت كنت بتشتغل عشانهم، بس نسيت تحميني منهم. الحكاية خلصت هنا”.
فتحت الباب وخرجت للهوا النضيف، ركبت عربيتي وسيبت ورايا القصر والفلوس وكل السنين اللي ضاعت من عمري وأنا بستحمل.. سيبته وسط دماره، وأنا ببص للمستقبل ومرتاحة إن الست الضعيفة المطيعة ماتت، والمايا الجديدة هي اللي هتعيش من النهارده وبشروطي أنا.

