ام تترك اطفالها الرضع 2حكايات صافي هاني

بعد ما الحفلة خلصت، والناس كلها بدأت تمشي، كنا إحنا الثلاثة لسه قاعدين في مكاننا، مش قادرين نتحرك من كتر المشاعر اللي عشناها. المدير والمدرسين جم لحد عندي وسلموا عليا، واحد منهم حط إيده على كتفي وقالي: “والله يا حاج، انت النهاردة أخدت أكبر شهادة تكريم في حياتك، ربنا يبارك لك فيهم ويجعله في ميزان حسناتك”.
طول طريق الرجوع للبيت، كنا ساكتين.. بس السكوت المرة دي مكنش سكوت خوف أو قلق، كان سكوت راحة ورضا. وصلنا شقتنا البسيطة، والشقة كانت ضلمة زي ما سيبناها، بس بمجرد ما دخلنا، حسيت إنها منورة بوجودهم.
منة ومريم دخلوا غيروا هدومهم، ولقيتهم خارجين ولابسين إسدالات الصلاة بتاعتهم. مريم بصتلي وابتسمت وقالت: “يلا يا بابا، عايزين نصلي ركعتين شكر لله مع بعض، انت الإمام بتاعنا زي كل يوم”.
وقفنا نصلي، وأنا واقف في المحراب وبناتي ورايا، مقدرتش أتمالك نفسي وأنا بقرأ القرآن، صوتي كان بيرتعش والدموع نزلت من عيني على سجادة الصلاة. كنت بشكر ربنا من كل قلبي إنه قدرني وعانّي، وإن تعب السنين مألوحش في الأرض. في السجود، طولت جداً، وكنت بقول: “يارب لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، يارب احفظهم لي واجعلهم من الصالحات”.
بعد ما خلصنا الصلاة، قعدنا في الصالة، ومنة جابت شهادات التخرج بتاعتهم وحطتها في حجري وقالت: “عارف يا بابا؟ الست دي كانت فاكرة إن الفلوس واللبس الشيك والهدايا الغالية ممكن تعوض تمنتاشر سنة من غير أم. كانت فاكرة إنها لما تيجي تذلّك قدام الناس، إحنا هنجري ورا المظاهر وننسى مين اللي شالنا في عينه”.
مريم كملت كلام أختها وقالت: “هي متعرفش إنك علمتنا إن الغنى غنى النفس، وإن لقمة حلال بالرضا والنفس الطيبة تسوى الدنيا وما فيها. إحنا يا بابا لما شوفناها، محسيناش بأي حنين ناحيتها، حسينا بس بالشفقة عليها.. لأنها ضيعت عمرها في الجري ورا السراب، وفي الآخر رجعت ملقتش ليها مكان وسطنا”.
بصيت ليهم وأنا فخور بأصلهم وبعقلهم الكبير، وقلت لهم: “يا بناتي، الدنيا دي دار ابتلاء، وأنا يوم ما أمكم مشت، عاهدت ربنا إني هربيكم على الحلال وعلى دينه وأصوله، ومكنتش مستني منكم حاجة غير إني أشوفكم مستورين وصالحين. اللي عملتوه النهاردة في الحفلة رجعلي شبابي وكرامتي قدام الدنيا كلها”.
وفي وسط كلامنا، تليفوني رن برقم غريب. رديت، ولقيت صوت باكي ومخنوق.. كانت علا.
قالتلي بصوت بيترعش: “أنا آسفة.. أنا عمري ما تخيلت إن البنات هيكرهوني كده، أنا كنت فاكرة إني هفرحهم بالهدايا وأعوضهم عن اللي فات”.
أخدت نفس طويل، ورديت عليها بهدوء وثقة وعمري ما حسيت بيهم قبل كده: “علا.. البنات مبيكرهوكيش، هما بس ميعرفوكيش. الأمومة مش كلمة بتتقال، الأمومة دي زرعة، والواحد بيحصد اللي يزرعه. انتي زرعتي البُعد والهروب، والنهاردة حصدتي النتيجة. أنا عمري ما كرهتهم فيكي، بس هما كبروا وشافوا الحقيقة بعيونهم. ربنا يسامحك على اللي عملتيه زمان، ويصلح حالك، بس عيلتنا اتقفلت علينا من تمنتاشر سنة.. ومبقاش فيها مكان لأي حد غريب”.



