امها المريضه 5حكايات صافي هاني

عاشور حس بخضتي، وساب كباية الشاي من إيده وقرب مني وهو مخضوض: “في إيه يا أبلة؟ الورقة دي فيها إيه يخوفك كدة؟”

​مديت إيدي بالورقة وأنا مش قادرة أنطق، وقلت له بصوت مخنوق من كتر التأثر: “أمي مكانتش بتشغلّك عندها يا عاشور.. أمي كانت بتسلمك حقك اللي اتحرمت منه طول عمرك.. الورقة دي عقد بيع وشراء مسجل في الشهر العقاري، أمي باعت لك فيه البيت اللي إحنا قاعدين فيه ده كله.. باعت لك نصيبها بالكامل باسمك!”

​عاشور اتسمر مكانه، وبص للورقة وبصلي ووشه جاب ميت لون، وقال وهو بيهز راسه بالرفض: “لا.. لا يا أختي، أنا مآخدش حاجة مش حقتي، البيت ده بتاعك أنتي وأبوكي فؤاد هو اللي بانيه.. أنا جيت هنا عشان أخدم أمي وأشبع من حضنها بس، مش جاي أورث!”

​”البيت ده أمي ورثته عن أهلها يا عاشور، وأبويا فؤاد ملوش فيه شبر واحد” مديت إيدي ومسكت إيده الموشومة اللي كانت بترتعش، وكملت والدموع في عيني: “أمي عملت كدة عشان تأمنك، عشان عارفة إن الدنيا لطشت بيك كتير، وعشان تضمن إنك مش هتمشي وتسبني لوحدي.. أمي جمعتنا في البيت ده عشان نفضل فيه سوا.. أنت أخويا الكبير وسندي في الدنيا دي.”

​عاشور قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبكى بكاء مرير، بس المرة دي مكنش بكاء وجع، كان بكاء راجل حس لأول مرة في حياته إن ليه ضهر، وليه عيلة، وليه أم حمتْه حتى وهي تحت التراب.

​فاتت شهور، والحارة كلها عرفت إن عاشور يبقى أخويا، من غير ما ندخل في تفاصيل الماضي وأسراره. الناس في المنطقة بقوا يعملوا له ألف حساب لما شافوا رجولته وشهامته مع طوب الأرض، وبقى هو الراجل اللي بيقضي مصالح البيت وبيحميني، وأنا بقيت واخدة بالي منه ومن لقمته وهدومه، وبنعوض سوا سنين الحرمان والغربة.

​وفي يوم جمعة، كنا قاعدين بنفطر في الصالة، والشمس داخلة من البلكونة منورة البيت. بصيت لمكان سرير أمي الفاضي، وبعدين بصيت لعاشور اللي كان قاعد بيضحك وهو بياكل، وحسيت براحة وفخر عمري ما عشتهم زمان.

​طلعت الصورة القديمة بتاعة أمي ومصتافى الصياد من جيبي، وقمت علقتها في برواز كبير في صدر الصالة، وبصيت لعاشور وقلت له: “من هنا ورايح.. الحكاية هتبدأ من جديد يا أخويا.. والسر اللي كان هيموتنا، بقى هو الحبل اللي هيعيشنا طول العمر سند

لبعض.”

عاشور بص للبرواز اللي تعلّق في صدر الصالة، عينيه لمعت بدموع فرحة مخلوطة بفخر، وقام وقف قدام الصورة، وباس إيده وحطها على وش أبوه اللي عمره ما نسي ملامحه. التفت ليا وقال بنبرة صوت حنينة ومكتفية: “ربنا يخليكي ليا يا بنت أمي وأبويا.. أنا طول عمري كنت حاسس إني مقطوع من شجرة، بس النهاردة بس طبت وارتحت.”

​الحياة مشيت بينا هادية وجميلة، وبقى عاشور هو الضهر والأخ اللي بجد. باع التوكتوك وفتحنا بمشروع صغير في أول الحارة، والكل بقى يحلف بأدبه وجدعنته.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *