امها المريضه 5حكايات صافي هاني
وفي يوم، وبعد سنة كاملة من وفاة أمي، كنت بنظّف الأوضة القديمة بتاعتها، ولقيت في قاع الدولاب علبة قطيفة صغيرة مكنتش أخدت بالي منها وسط الأوراق والكركبة. فتحتها بفضول، ولقيت جواها مفتاح نحاسي قديم جداً، ومعه ورقة صغيرة مطوية بعناية مكتوب فيها بخط أمي: “السر الأخير يا بنتي.. المفتاح ده بيفتح باب الشقة القديمة اللي في المنيرة.. الشقة اللي اتقفل عليها من 35 سنة من يوم ما مصطفى مات، وفيها الحاجة الوحيدة اللي فؤاد مِعرفش يوصل لها ولا يدمّرها.. خدي أخوكي وروحي هناك.”
جسمي اتقشعر، ونديت على عاشور بسرعة. أول ما شاف المفتاح وقرأ السطور، ملامحه اتغيرت وقررنا نروح في نفس الساعة.
وصلنا البيت القديم في المنيرة، العمارة كانت مهدودة جدرانها من الهجر، والسلالم ترابها يغطّي الركب. وقفنا قدام الباب اللي الخشب بتاعه اتأكل من الرطوبة، حطيت المفتاح في القفل، ولف ببطء وصوت تزييق عالي كأنه بيفتح بوابة للزمن.
دخلنا والشقة كانت عبارة عن غبار وستاير دايبة، بس في نص الصالة، كان في مكتبة خشبية صغيرة، وفوقيها صندوق معدني مقفول. عاشور قرب وكسر الصندوق، وجواها لقينا كنز مكنش يخطر على بال بشر!
لقينا مذكرات كتبها مصطفى الصياد، أبو عاشور، بخط إيده.. بس المفاجأة الكبرى كانت في الأوراق اللي تحت المذكرات.. ورق رسمي، وعقود، وشيكات باسم الحاج فؤاد!
فتحت ورقة منهم وقريتها بصوت عالي وعاشور بيسمع ووشه بيتحول لكتلة من الغضب.. أبويا فؤاد مكانش مجرد راجل غني اتجوز أمي عشان يستر عليها وربّى عاشور في السر.. الصدمة إن أبويا فؤاد هو اللي كان شريك مصطفى الصياد في تجارة قديمة، وهو اللي غدر بيه ونصب عليه وأخد شقا عمره كله، ومصطفى مات بحسرته وقهرته! وفؤاد اتجوز أمي عشان يداري على جريمته، وعشان يضمن إن الوريث الوحيد—اللي هو عاشور—يفضل طول عمره جاهل وضايع في السجون وميطالبش بحق أبوه!
وقعت على الكرسي القديم وأنا مش قادرة أتنفس، وبصيت لأخويا وأنا حاسة بذنب أبويا كله فوق كتافي.. شقا عمر أبو عاشور، والفلوس اللي عشنا فيها ولعبنا بيها أنا وأبويا، كانت فلوس أبوه المحروق قلبه!
عاشور مسك الأوراق، وعينيه بقت تطلع نار، وبص للصور والمذكرات.. وبصلي أنا وأنا بترعش ومستنية حكمه عليا وعلى سيرة أبويا اللي انتهت تماماً في نظري!
عاشور كان واقف والأوراق في إيده بتتلوى من كتر العصبية، ونفسه كان بيعلو ويهبط وهو بيبص لشقى عمر أبوه اللي راح في بطن الراجل اللي ظلمهم. أنا كنت قاعدة على الكرسي، منزلة راسي الأرض والدموع بتنزل من عيني من الخزي والكسوف.. كنت حاسة إن كل لقمة أكلتها وكل قرش اتصرف عليا كان من حق الأخ الغلبان اللي واقف قدامي ده.
قربت منه وأنا بترعش، وقلت بصوت مبحوح: “عاشور.. أنا مش عارفة أقول لك إيه.. الفلوس والبيت اللي أنا عايشة فيه، كل ده حقك وحق أبوك.. أنا مستعدة أتنازل لك عن كل حاجة وأمشي.. أنا مش هقدر أبص في وشك تاني بعد اللي عرفته عن أبويا.”



