تبيع اخر شئ تملكه حكايات صافي هاني

شفت ست متجوزة بتبيع آخر حاجة حيلتها عشان ابنها الصغير يعرف يتنفس الليلة دي.

​بعد عشر دقائق، كنت قاعد في عربيتي المرسيدس السودا وموبايلها المكسور جمبي، وفجأة استوعبت إني على وشك أدمر راجل عمره ما شافني ولا شفته.

​أنا اسمي مراد الهواري، والناس في المنشية وكرموز بيخافوا مني، وليا هيبتي لسبب معروف للكل.

​بس مفيش أي حاجة عملتها في حياتي هزتني زي ما هزتني أسماء لما دخلت محل الرهونات ده.

​أصلاً مكنش المفروض أكون هناك الظهرية دي. أنا صاحب العمارة اللي في شارع البوسطة—محل رهونات، ومغسلة، ومحل مانيكير، كله بتاعي. كنت ملوت عربيتي ومعدي عشان أقابل المحصل بتاعي بخصوص تصليحات وإيجارات متأخرة. شغل روتيني ممل.

​وفجأة جرس الباب رن.

​وهي دخلت.

​مكانتش لافتة للنظر، مفيش في إيدها شنطة ماركة، ولا حاطة مكياج غالي. يدوب عباية كحلي زرايرها مش راكبة صح، وطرحة دبلانة لمّاها أي كلام وخلاص. بس كان في عيونها نظرة… كأنها شايلة هموم الدنيا كلها فوق كتافها ولوحدها من زمان.

​قربت من المكتب وحطت موبايل آيفون قديم براحة خالص.

​سألت بصوت واطي: “يعمل كام ده؟”

​الموظف مسكه وقلبه في إيده: “الشاشة مكسورة.”

​”عارفة.”

​”والبطارية ضايعة خالص.”

​”عارفة.”

​هز دماغه وقال: “آخري معاكي تمانين جنيه.”

​جزت على سنانها نص ثانية وهزت راسها: “ماشي، مفيش مشكلة.”

​كان المفروض أدير وشي ومقعدش أتفرج. أنا ياما شفت رجالة بشنبات بتترجاني عشان أسيبها تعيش ومكنش بيتهزلي جفن. الوجع مبقاش يحرك فيا حاجة خلاص.

​بس الطريقة اللي بّصت بيها للفلوس دي؟

​كأنها عارفة من جواها إنها مش هتكفي.

​اللقطة دي ضربتني في مقتلي أكتر من أي خناقة دم دخلتها قبل كده.

​الموظف بدأ يملى الوصل وسألها: “سبب البيع؟”

​أسماء ترددت.

​تمتم الموظف: “روتين بس عشان الدفاتر.”

​بلعت ريقها بصعوبة وقالت: “بخاخة ابني.”

​الدنيا اسودت وصِحت في دماغي فجأة.

​كملت بصوت مكسور: “الواد الصغير عنده حساسية شديدة على الصدر، ومحتاجة الروشتة الليلة دي ضرورى.”

​حسيت بحاجة بتعصر صدري.

​الموظف سلمها الفلوس. عدتهم مرتين وصوابعها بتترعش: “عشرين… أربعين… ستين… تمانين…”

​وشها مظهرش عليه أي راحة.

​دي كانت خيبة أمل.

​طّبقت الفلوس بحرص وخرجت في المطر والبرد.

​في ثانية، أول ما الباب قفل وراها، قمت من مكتبي وخرجت بره.

​قلت للموظف: “هات الوصل ده.”

​الموظف بربش بعينه: “يا مراد بيه؟”

​”خلص، دلوقتي.”

​دهولي علطول.

​أسماء رأفت.

​شارع السلام. شقة 2.

​متجوزة.

​مش عارف ليه التفصيلة دي ضايقتني.

​يمكن عشان الست كانت باينة لوحدها تماماً في الدنيا.

​مسكت موبايلها وقلبته في إيدي. الجراب كان متبهدل ومليان خدوش، وفي ضهره ستيكر قديم وممسوح مكتوب عليه: أجمل أم في الدنيا.

​يا رب ارحمنا.

​سألت الموظف: “هو الموبايل ده جديد يعمل كام؟”

​”يعني… كان بيلعب في حدود تمن تلاف لما نزل.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *