تبيع اخر شئ تملكه حكايات صافي هاني

وقفت وبصيت للسما، وحسيت لأول مرة من سنين إن صدري أنا اللي اتفتح ونفسي ارتاح، وكأن ربنا بعتلي الست دي عشان يغسل قلبي من قسوة الشغلانة دي.
ركبت عربيتي المرسيدس، دورت الموتور، وطلعت في وسط المطر، وأنا عارف إن من اللحظة دي… مراد الهواري مش هيسيب غلبان في المنطقته يتظلم تاني.
فضلت سايق في شوارع الإسكندرية والمطر عمال يلطش في الإزاز، وكل اللي في بالي نظرة العاجز اللي كانت في عيونها وهي بتعد الـ 80 جنيه. طول عمري بخلص حقي وحق ناسي بدراعي، وياما وقعت رجالة بشنبات ومتهزتش، بس النهاردة حسيت إن الرجولة الحقيقية هي إنك تحمي اللي ملهمش ضهر.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت والجو بدأ يصفى. رحت على مكتبي في المنشية، وطلبت المحصل بتاعي يجيبلي كل الورق والدفاتر الخاصة بالبيت اللي ساكنة فيه أسماء.
دخل المحصل وهو مرعوب: “تحت أمرك يا مراد بيه، كله تمام والله.”
خدت منه الدفاتر وقلتله بلهجة حاسمة: “البيت ده من اللحظة دي يتشال من حسابات الإيجار. يتكتب باسم الواد الصغير أحمد رأفت، ويوصلهم عقد البيع والتنازل لحد باب شقتهم من غير ما يعرفوا مين اللي بعته.. فاهم؟”
المحصل بربش بعينه وطلع يجري ينفذ الأوامر.
عدت الأيام، ورجعت لحياتي وشغلي، بس في حاجة جوايا اتغيرت. الهيبة اللي كانت الناس بتخاف منها عشان القسوة، بقت الناس بتحترمها عشان الأمان.
وفي يوم، وأنا معدي بالعربية من نفس الشارع، لمحت أسماء واقفة في البلكونة بتنشر هدوم ابنها، والواد الصغير عمال يجري ويلعب وضحكته مسمعة الشارع.. كان وشه راجعله الدم وبيتفس ملء رئتيه وصحته زي الفل.
ابتسمت من ورا زجاج العربية، ودست بنزين ومشيت وأنا بقول في بالي: “الحمد لله.. التجارة مع ربنا هي الشغلانة الوحيدة اللي مفيهاش خسارة.”
وبعد كام شهر، الدنيا دارت وكنت قاعد في القهوة الكبيرة بتاعتي في كرموز، بخلص شوية حسابات مع رجالي. وفجأة لقيت المحصل داخل عليا ووشه مخطوف وجايب معاه راجل تالت باين عليه الشقا والبهدلة، لابس هدمتين غلبانين، وراسه الأرض من كتر الكسوف والخزي.
المحصل قاللي بصوت واطي: “يا مراد بيه، الراجل ده كان قالب الدنيا عليك وعايز يقابلك ضروري.. ده يبقى جوز الست أسماء اللي في بيت شارع السلام.”
أول ما سمعت الاسم، ظهري اتفرد على الكرسي وعيوني صغرت. بصيت للراجل من فوق لتحت، وقلت بلهجة ناشفة: “أهلاً يا سيدي.. خير؟”
الراجل دموعه نزلت، وقرب خطوتين وشل حركتي لما لقيته عايز يوطي على إيدي يبوسها، فشدتها منه بسرعة وزعقت: “استهدى بالله يا راجل أنت! ارفع راسك وقولي في إيه؟”
مسح دموعه بكم جلبابه وقال بصوت مخنوق: “أنا كنت مسافر شقيان في الجبل بشتغل فاعل عشان لقمة العيش، وتلفوني ضاع ومكنتش عارف أوصل لمراتي ولا أعرف إن ابني كان هيموت من التعب والبيت هيتخرب علينا. أنا لما رجعت وعرفت اللي حضرتك عملته مع مراتي وابني، وإزاي جيبتلي حقي من صاحب البيت الواطي اللي كان عايز يرميهم، وإزاي كتبت البيت باسم ابني.. أنا مكنتش مصدق إن لسه في ولاد حلال زيك يا مراد بيه. أنا جاي أقولك إن رقبتي سدادة ليك طول العمر، وخدامك في أي شيء تؤمر بيه.”


